حكومة «شكراً عون» بعد الانتخابات

مرحلة ما بعد الانتخابات النيابية مرتبطة بشكل أساسي بنتيجة هذه الانتخابات برمتها لجهة تبيان هوية الأكثرية الجديدة من جهة، وما ستفرزه على مستوى الأكثرية المسيحية وطبيعة التمثيل السني وحجم الكتلة الثورية المنبثقة من 17 تشرين من جهة أخرى.

تبعاً لنتيجة الانتخابات تتوضّح معالم المرحلة التي ستليها بدءاً من رئاسة البرلمان، مروراً بتكليف رئيس الحكومة، وصولاً إلى محاولات تأليف الحكومة التي ستصطدم حكماً بتوقيع رئيس الجمهورية الذي لن يوقِّع على اي حكومة لا تتوافق مع مصلحته قبل أشهر قليلة من مغادرته القصر الجمهوري.

وخلافاً للنظرية الشائعة ان حكومة الرئيس نجيب ميقاتي ستدير مرحلة الفراغ الرئاسي كونه من الصعب التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن المهلة الدستورية، فإن أحد السيناريوهات التي يَعمل عليها القصر الجمهوري هي تأليف حكومة بمَن حضر وفي سرعة قياسية في تأليف الحكومات من أجل توزير النائب جبران باسيل ليكون في صلب إدارة مرحلة الفراغ، لأن لا ثقة للعهد بوزرائه في الحكومة الحالية لإدارة هذه المرحلة.

ومن أهداف توزير باسيل ان يكون السوبِّر وزير الذي يشكل توزيره تعويضا معنويا للعهد واستمرارا في موقع السلطة والتأثير، ويمنحه القدرة على الإمساك بمفاصل الحكومة، ويمكِّنه من إدارة مرحلة الفراغ من موقع حكومي متقدِّم، ويتيح له الحفاظ على نفوذ العهد وتأثيره في مرحلة قد تكون طويلة، ويفسح في المجال أمامه للربط مع الانتخابات الرئاسية من موقع السلطة التنفيذية لا فقط الكتلة النيابية او التأثير السياسي.

ويبدو انّ الرئيس ميشال عون نجح بانتزاع موافقة السيد حسن نصرالله على هذه الورقة كتعويض عن عدم تبني «حزب الله» ترشيح باسيل لرئاسة الجمهورية، والذي دونه عقبات تبدأ بالعقوبات الأميركية ولا تنتهي بالرفض السياسي والشعبي لانتخابه رئيساً للجمهورية، وتكون بمثابة حكومة «شكراً عون» على خلفية دور العهد في توفير الغطاء الكامل للحزب.

وتكليف رئيس الحكومة سيكون مشروطا بقبوله المسبق بالشروط التالية:
الشرط الأول: تأليف حكومة وحدة وطنية في عودة إلى حكومات ما قبل ثورة 17 تشرين، اي حكومات سياسية بامتياز تشكل مدخلا ومعبرا لعودة باسيل إلى الحكومة، وهذا النوع من الحكومات يشكل بدوره مطلبا لـ«حزب الله» كونه يوفِّر له الغطاء الوطني الذي يسعى إليه، ولأنه بحاجة إلى العودة السياسية الواضحة إلى الحكومة التي تمنحه شرعية هو بأمسّ الحاجة إليها، وينتظر الحكومة الأولى بعد الانتخابات من أجل طَي صفحة حكومات ما بعد الثورة والعودة إلى ما قبلها.

الشرط الثاني: ان يوافق الرئيس المكلّف على تأليف حكومة بمَن حضر ومن لون واحد أو غيره في حال رفضت قوى المعارضة المشاركة في الحكومة، بمعنى ألا يترك الباب مفتوحا لمفاوضات لا تنتهي، إنما ان يعمد إلى تقديم تشكيلته بالقوى التي ترتضي المشاركة في الحكومة.

الشرط الثالث: ان يكون تأليف الحكومة سريعا جدا في غضون أسبوع أو أسبوعين كحد أقصى بعد استشارات التأليف، حيث انها ستكون شبه جاهزة بتركيبتها وتوزيع حقائبها الأساسية، والسرعة مطلوبة للاستفادة من مومِنتم الانتخابات وعلى قاعدة «ضَرب الحديد هوّي وحامي».

والحجة التي ستسوّق تبريراً للإسراع في التأليف بأنّ البلد لا يحتمل الفراغ، وان الوضع المالي الانهياري والتفاوض مع صندوق النقد الدولي يستوجبان تأليف الحكومة بأسرع وقت ممكن بعيدا عن المماطلة في التأليف، والتي كان يتحمّل العهد مسؤوليتها بسبب الشروط التي كان يضعها لنيل أكبر عدد من الوزراء وانتزاع أفضل الحقائب ووضع الفيتوات على توزير القوى الأخرى.

ويُدرك تماماً رئيس الجمهورية بأنّ تأليف الحكومة هو بيد الرئيس المكلّف، ولذلك لن يكلّف اي رئيس حكومة ما لم يتعهّد مسبقاً للعهد والحزب بالشروع فوراً ومن دون تأخير في تأليف حكومة وحدة وطنية او حكومة بمن حضر يكون باسيل السوبِّر وزير فيها، وهذا «الوعد الصادق» من الحزب للعهد ما بعد الانتخابات النيابية.

ويستند العهد في مقاربته او طرحه إلى المعطيات الآتية:
المعطى الأول: ان توقيع رئيس الجمهورية يشكل ممرا ملزما لتأليف الحكومة، وبالتالي هذه من أوراق القوة التي بحوزته.

المعطى الثاني: ان الانتخابات ستؤمن بشكل أو بآخر الأكثرية لفريق 8 آذار الموحّد تحت عباءة «حزب الله» الذي أعاد وصل ما لا يوصل وربط ما لا يربط وجَمع ما لا يجمع.

المعطى الثالث: ان المعارضة ستدخل الى الندوة البرلمانية مشرذمة ومشتتة وحتى لو نجحت في الاقتراب من الأكثرية النيابية فهي غير متفقة على توجُّه واحد، لا بل ان القدرة على اختراقها ممكنة ومتاحة تحت عنوان منع الفراغ وإنقاذ البلد، وان الانتخابات أفرزت ما أفرزته وحان الوقت للعمل ومواجهة الانهيار، وان مرحلة ما بعد الانتخابات تختلف عن مرحلة ما قبلها.

فالسيناريوهات أمام العهد محصورة، حيث ان استمراره في القصر الجمهوري ما بعد انتهاء الولاية لا يتناسب مع «حزب الله» الذي لا يريد ان يدخل البلد في فوضى دستورية تقود إلى مؤتمر دولي، كما ان استمرار الحكومة الحالية في إدارة الفراغ الرئاسي لا تتناسب مع العهد بسبب غياب الشخصية القيادية القادرة على مجاراة ميقاتي ومنعه من التفرُّد في قيادة الحكومة، وبالتالي ليس أمامه سوى خيار الذهاب إلى حكومة جديدة تعيد باسيل وزيرا فيها وبحصة عونية يُحكى فيها عن الثلث ليتمكّن من التحكُّم بمسار القرارات الحكومية.

ولكن أي رئيس حكومة يمكن ان يقبل بشروط العهد و«حزب الله» وان يكون دوره شبيهاً بدور الرئيس حسان دياب؟ وهل سيتمكّن الحزب من إهداء العهد حكومة ما بعد الانتخابات النيابية يكون له فيها الحصة الوازنة وتعيد باسيل إلى صلب القرار الحكومي؟

لا شك ان الانتخابات وحدها يمكن ان تقلب كل المقاييس وتقطع الطريق على كل الخطط الموضوعة، وتكفي العودة إلى خطاب النائب باسيل في ذكرى 13 تشرين في العام 2019 عندما لمّح إلى انقلاب يُعد له مذكّراً بزمن الجنرال في الرابية وقبلها في قصر الشعب، فجاءته انتفاضة 17 تشرين بعد أيام قليلة من حيث لم يكن يعلم ولا يتوقّع، وأجهضت المخطط الذي كان على قاب قوسين أو أدنى من تنفيذه.

فنتيجة الانتخابات قادرة على قلب الطاولة مجددا في انتفاضة جديدة في 15 أيار على غرار انتفاضة 17 تشرين وقبلها 14 آذار، فما يخطِّط له العهد هو حكومة بقيادة النائب باسيل عملياً، فهل سيأتي الرد الشعبي بأكثرية تقود إلى تأليف حكومة غير ممسوكة من قبل 8 آذار وتفتح الطريق نحو التغيير الفعلي؟

 

 

شارل جبور – الجمهورية