بعبدا تسرّعت: خطأ بروتوكولي أم استجداء لبركة رسولية؟

لم يكن إعلان رئاسة الجمهورية عن موعد زيارة البابا فرنسيس للبنان في حزيران المقبل موفقاً، ولم يخدم حتماً الأهداف الكامنة وراءه، وهي صغيرة مقارنة مع الرسائل الكبيرة التي يحرص الكرسي الرسولي على توجيهها الى اللبنانيين، وإلى لبنان ضمن الأهداف الرسولية الرامية الى تغليب منطق الدولة وصون هويّة البلد التاريخية في محيطه العربي في إطار حلف المواطنة لا الأقليات، وكجزء من الشرعية الدولية.

للوهلة الأولى، قد يبدو أن الرئاسة بتسرّعها في الإعلان عن الزيارة، ارتكبت خطأً بروتوكولياً بالقفز على الإجراءات المعتمدة في أيّ زيارة يعتزم رأس الكنيسة الكاثوليكية القيام بها، رعوية كانت أو رسمية. ذلك أن مثل هذا الإعلان يصدر عن الفاتيكان نفسه. ولكن الواقع يختلف وجاءت نتائجه سيئة في الشكل كما في المضمون، ما عكس في شكل واضح استياءً فاتيكانياً من الإجراء الرئاسي.

فالإعلان من بعبدا عن موعد زيارة الحبر الأعظم تمّ الرد عليه بتغريدة لمراسل الفاتيكان في صحيفة “ناشيونال كاثوليك ريبورتر”، أعقبها رد من مدير المكتب الإعلامي للكرسي الرسولي أن الزيارة لا تزال “فرضية قيد الدرس”، فيما اضطر مجلس المطارنة الموارنة في اجتماعه الشهري أمس الى تعديل بيانه، وإضافة فقرة يعبّر فيها عن ترحيبه بالزيارة، مع إشارة واضحة الى انتظاره إعلان تفاصيل برنامجها الرسمي. وكان لافتاً حضور السفير البابوي المونسنيور جوزف سبيتري الاجتماع.

الأكيد أن الزيارة ستحصل مبدئياً في حزيران كما كان البابا أشار في كلامه الى رئيس الجمهورية، ولكن الإعلان عنها من لبنان أساء الى أهدافها وقلل من وقعها، لأنه حمل في طيّاته أهدافاً لا تنسجم مع الأهداف التي يصبو إليها البابا، على ما تقول مصادر سياسية في إطار قراءتها للحيثيات التي دفعت بعبدا الى التسرّع في الإعلان.

والواقع أن الزيارة ليست خبراً مفاجئاً. فالبطريرك الماروني بشارة الراعي على دراية بها منذ نحو ثلاثة أسابيع، ولكنه لم يبادر في أي مناسبة للحديث عنها احتراماً للمسار الديبلوماسي والبروتوكول المعتمد في الفاتيكان.

ماذا بعد الإعلان الرئاسي وهل سيكون له تأثير على الفاتيكان وعلى قرار البابا بزيارة لبنان؟ أسئلة كانت محور التداول أمس في الوسط السياسي، في مسعى لفهم دوافع بعبدا في الإعلان، وما سيرتبه على الزيارة تالياً.

لا تعلق المصادر السياسية عينها أهمية على دوافع بعبدا، انطلاقاً من أنها عاجزة عن تعديل المسار الذي سلكه البابا فرنسيس في مقاربته لملف لبنان، الذي بات يحتل مرتبة متقدمة جداً في أولويات الفاتيكان، نتيجة الفهم العميق في دوائره لما يتعرض له البلد من عمل ممنهج لتغيير هويته وتهميش المسيحيين ودورهم ووجودهم فيه.

وفي رأي المصادر إن الدوافع الرئاسية باتت واضحة ولا سيما في توقيتها، وهي تأتي استكمالاً للمسار الذي بدأ مع زيارة رئيس الجمهورية أخيراً للفاتيكان وما جرى تسويقه عنها. وتعكس هذه الدوافع وفق المصادر ما وصفته بـ”استشراس” تحالف السلطة القائم على “حزب الله” و”التيار الوطني الحر” لتعويم العهد والحصول على البركة الفاتيكانية للاستحقاق الرئاسي. ويساعد على التسويق لهذه الحملات انزلاق النخب اللبنانية عموماً والمسيحية على وجه الخصوص الى هذه المقاربة، من دون الأخذ في الاعتبار التحولات الجيوسياسية في المنطقة والعالم، ولا سيما بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، أو حتى التمعن في الثوابت التي لا ينفك البابا فرنسيس ينادي بها من أجل لبنان.

وترى المصادر أن الزيارة إذا حصلت، فستشكل صدمة لدى الوسط الحاكم لأنها سترسم خريطة طريق جديدة تعبّر عن ثوابت الفاتيكان، بحيث يحمل البابا الى اللبنانيين رسالة أمل ورجاء من شأنها أن تضع حداً نهائياً لمآسي العهد وتنهي المقاربات التي تموضع المسيحيين في أحلاف الأقليات بدلاً من الاستمرار في تبوّء الموقع الرائد والمتقدّم الذي اضطلعوا به في محيطهم وحمايتهم للعيش المشترك.

وتلتقي مصادر سياسية أخرى مع هذه القراءة، فتكشف أن لدى البابا فرنسيس معطيات تتحكم بأولوياته ومقاربته للملف اللبناني، تنطلق حكماً من قراءة أوسع تتجاوز الحدود اللبنانية، وتدفعه الى رسم خطواته التي يواكب من خلالها التطورات. ولا تغفل هذه المصادر التذكير بأن البابا، استناداً الى رسائله الأخيرة التي اتسمت بنبرة قاسية، قد يفاجئ الداخل اللبناني المعوّل على استثمار زيارته لتعويم العهد وحليفه “حزب الله” وإضفاء البركة الرسولية عليه، بحيث سيكون سقف رسائله عالياً جداً، يحيي الذاكرة اللبنانية الضعيفة حيال الزيارة التاريخية للبابا يوحنا بولس الثاني عام ١٩٩٧، وإعلانه “لبنان أكبر من بلد، إنه رسالة”، وتوقيعه الإرشاد الرسولي، كرجاء جديد للبنان.

ولا تستبعد المصادر في هذا السياق، أن تشكل زيارة البابا فرنسيس إشارة الانطلاق لمقاومة مدنية سلمية لحماية لبنان الكيان والوطن والهويّة.

 

سابين عويس – النهار