انقلابيون ينتظرون فرنسيس!

يستحيل الرهان في فترة نهايات العهد العوني على ما كان ممكناً الرهان عليه قبلاً، وسقط ذاك الرهان سقوطاً ساحقاً. نعني بذلك أن يغادر العهد وحلقته ودائرته نهج الإنكار الذي سيحمله في سجله العامر بالمآثر المتوّجة بالتسبّب بانهيار كارثي للبنان. لا تختلف “السقطة” الأخيرة المتصلة بالتصرّف المتفرّد الغريب الخارج عن الأصول في الإعلان المتسرّع عن زيارة البابا فرنسيس للبنان في حزيران، عن نهج الإنكار مضافاً إليه غطرسة مكابرة منفجرة “بأننا لم نخطئ” هي التركيبة الشقيقة أو التوأم للأزمة “ما خلونا”. ومهما تكن الحسابات (المعروفة في كل الأحوال) التي تسبّبت بعرض شعبوي ساقط بهذه الخفة في التعامل مع تطوّر يحتاج الى ذروة التعقل والرصانة والترفع وإبعاد شبهة التوظيف السياسي الباهت والرخيص والمعيب، فإن الأهم بعد السقطة الشكلية والديبلوماسية والمعنوية أن يتعظ العهد ومريدوه وأنصاره وكل من يتحالف معهم بأن “يترصّنوا” (من كلمة رصانة لمن يفوته الفهم) حيال معنى ودلالات وأبعاد أن يقرر أحد البابوات التاريخيين أن يخصّ لبنان في ظروفه المفجعة هذه بالرحلة البابوية الثالثة خلال ربع قرن بعد سلفيه يوحنا بولس الثاني وبينديكتوس السادس عشر. نقول العهد وحلفاء العهد بمنتهى التحديد ولا نوسّع البيكار لأن أسوأ الأوهام والحسابات ستترتب على فريق سلطوي مهيمن حين يعتقد أن “هدايا إلهية” جديدة، بمفهوم “حزب الله” حليف العهد العوني، ستتساقط في أحضان هذا الفريق تباعاً بين انتخابات نيابية يحصدون فيها الأكثرية الموعودة تليها زيارة البابا فرنسيس للبنان بما “يحلو” معه إشعال مهرجانات التوظيف السياسي على الغارب. هذا الاتجاه “الحتمي” لا يحتاج الى إبطال التحالف لنفيه أو التذاكي في اصطناع التواضع حياله ما دام تعامل العهد وقوى “الممانعة” يتصرّفون مع الاستحقاقات المختلفة قبل أقل من أربعين يوماً من الانتخابات النيابية من منطلقات السيطرة الأبدية داخل ما كان يسمّى دولة.

لن نبحر الآن في دلالات ومعطيات تكشف بما لا يرقى إليه جدل من تحضيرات وخطط وسيناريوهات لاتجاهات انقلابية بكل المعايير حيال مصير الانتخابات الرئاسية أو ولاية العهد الحالي ستفضح نفسها تباعاً وبدأت عملياً مع المحاولات الدؤوبة لإحلال تشكيلات وتعيينات وإقصاء مواقع وأشخاص وكل ما يستتبع مخططات تدار من غرف معروفة وأشهر من أن تعرّف. وما كان لهذه الناحية أن ترد في سياق الحديث عن زيارة البابا فرنسيس المرجّحة في حزيران لولا الارتباط العضوي المؤكّد والمثبت لسياسات العهد وفريقه وحلفائه في توظيف الزيارة الى أقصى المتاح من الاحتمالات لخدمة اتجاهات انقلابية لاحقاً لن تقف عند حدود تجاهل ما سيأتي من أجله البابا بل أبعد أيضاً. قطعاً لا يمكن أصحاب الرؤوس الحالمة بسيناريوات التمديد المباشر أو غير المباشر للعهد الحالي أو أحلام الهيمنة المسلحة المستقوية بالحلف الإقليمي الإيراني أن تتروّى وتتريّث وتتبصّر لإدراك الحقائق العميقة والجسيمة والتاريخية بكل المعايير التي يريد الفاتيكان للزيارة البابوية الثالثة في ربع قرن للبنان أن يطلقها وأن يسهم إسهاماً أقصى عبرها في رفع اللبنانيين عن درب صليب الجلجلة التي استنفدت مراحل الصلب الى أقصاها ولا تزال. ولكن يمكن في هذه العجالة الأولية النصح “التطوّعي” لكل المتلاعبين بخفة هائلة حول تطوّر كهذا بأن يهدؤوا ويلتفتوا الى معنى توقيت الزيارة إن حصلت بين الاستحقاقين النيابي والرئاسي فضلاً عن توقع خطب فرنسيس التاريخي على أرض العذاب لبنان بالدلالات التغييرية الساحقة!

 

نبيل بومنصف – النهار