انتخابات في عتمة العدالة!

لعلها من المفارقات اللبنانية المفجعة، أن تصبح لكل من المناطق والأنحاء والجهات قضيّة أهلية يتولّاها “الأهالي” بتسمية حصرية دليلاً على الغياب المستدام لدولة اللبنانيين جماعات ومناطق وأفراداً. حفّزنا على نبش هذا الواقع أخيراً توزّع المشهد الداخلي بين مجموعات أهالي ضحايا غرق زورق الهجرة غير الشرعية من أبناء طرابلس ومجموعات أهالي ضحايا انفجار مرفأ بيروت غداة تحرّك يائس تذكيري لأعرق وأقدم مجموعات من أهالي المخطوفين والمفقودين في الحرب لمناسبة ذكرى 13 نيسان… فضلاً عن تحرّكات ظرفية للكثير من مجموعات أخرى تتصل بأوضاع وملفّات مزمنة وطارئة.

وقد يكون أكثر ما يثير انطباعات التأسّي على أحوال اللبنانيين أن الانهيار المالي والاقتصادي حوّلهم في حقبة مشهودة الى البديل الأفضل والأنجع والأفعل من البقاء مجموعات متفرّقة من “الأهالي” فصاروا آنذاك ثوّاراً ومنتفضين لكن “لمرّة واحدة” لم تجدّد بعدها الوصفة بل أفسدت وتُركت الساحة مفتوحة لشذّاذ المتاجرة بانهيارهم وإفقارهم وتهجيرهم، وها نحن الآن نشهد في العدّ العكسي للانتخابات الكثير ممّا يقزّز في يوميات المسرحة الرخيصة لاستغلال مآسي الأهالي في كلّ الاتجاهات.

تبعاً لذلك نذهب الى الأبعد في خلفية هذا الواقع من حيث ارتباط ملفات بضخامة انفجار العصر في المرفأ مثلاً وقبله وبعده ملفات وملفات عُلّقت وتُعلّق ومرشّحة للتعليق القضائي والقانوني، ولن نتوغّل الى تاريخ اللاعدالة أو العدالة المستباحة والشهيدة مع قوافل شهداء الاغتيالات والإجرام العاتي الذي يبقى سيفاً مصلتاً على لبنان الحرّيات.

نتساءل أمام أوقح وأخطر وأسوأ تعليق لتحقيق كان استمراره والإلحاح عليه صار مطلباً عالمياً بديلاً من المطالبة بتحقيق دولي أو بمحكمة ذات طابع دولي مماثلة لمحكمة الحريري: أيّ نفع بعد من مطالبة بإحالة أيّ ملفّ على المجلس العدلي أو سواه من “هياكل” القضاء اللبناني ما دام التجسيد الحيّ لصفاقة تسلط السياسة القبلية الفاسدة والوقاحة المنفجرة في توقيف التحقيق العدلي في انفجار مرفأ بيروت نجح نجاحاً منقطع النظير؟ من تراه في هذه السلطة الفاسدة الساقطة يرفع عقيرته بصوت صارخ اليوم عشية الانتخابات بالاحتجاج على جهات تسلّطت وتجبّرت واستسأسدت على القضاء وأقعدت القليل النابض الباقي منه، فإذا بأهالي الشهداء أصحاب الحقوق المباشرة في إحقاق الحق ومن ثم سائر اللبنانيين أمام واقع مخزٍ ومرعب بكلّ المعايير اغتيلت فيه السلطة القضائية “عينك عينك” ولا من يصرخون؟

نتساءل والحال هذه من الآن ولو افتراضاً: ماذا لو تحوّلت انتخابات 2022 النيابية الى نسخة مماثلة لما وصفت بأكثر الانتخابات تزويراً في تاريخ لبنان الاستقلالي “الأول” أي انتخابات عام 1947 من خلال صناديق الاغتراب والالتباسات الهائلة التي أثيرت وتثار حوله؟ وماذا لو فعلت انقطاعات مؤكدة من الآن للكهرباء فعلها في مراكز وغرف العتم ليل الخامس عشر من أيار نفسه؟ وماذا ومن وكيف سيمكن تجنب كل ذلك إذا وقعت الواقعة؟ ألا يجب أن نسلك مسبقاً درب الصراحة الفجّة للقول إن الثقة المعدومة بالسلطة السياسية ليست كارثية بحجم انهيار الثقة بالسلطة القضائية؟ لذا لا يحاولنّ أحد إقناع اللبنانيين الآن، وخصوصاً في زمن استغلالهم الى الذروة في موسم انتخابي رخيص، بما صار إقناعهم به من المستحيلات، أي إن “العدالة” قائمة في كنف القضاء حيث يفترض ألا تدخل القبلية والمحاصصة والفساد، كما الترهيب والترغيب. أقنعونا وأقنعوهم بالعكس حين تنقذون التحقيق الواقف عند ضفة الاستشهاد مع محاصرة طارق البيطار وإسكاته، وكفى

 

نبيل بومنصف – النهار