السيد… “بيمون” !

أن ينبري الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله الى تحصين الجبهة السياسية – الانتخابية التي يقودها ويشكل حزبه قاطرة القوى الحزبية والسياسية المتحالفة معه ليس أمراً يستدعي الاستغراب أبداً، بل لعله أقل المتوقع عند مشارف استحقاقين انتخابيين مفصليين سيكون للحزب في كل منهما صولاته وجولاته. لكن أمرين اثنين يستوقفان راصدي المشهد الداخلي في ما جرى تصويره على أنه إنجاز لنصرالله بجمعه الخصمين المارونيين اللدودين ضمن منظومة “8 آذار” سليمان فرنجية وجبران باسيل.

الأول أن الحزب – القاطرة لهذا المحور أراد من توقيت تظهير خطوته في جمع الخصمين المنضويين ضمن نادي الطامحين الى وراثة الرئيس ميشال عون في رئاسة الجمهورية – ونقول وراثة عن المرشحين الاثنين تكنّياً بكونهما ينخرطان في محور 8 آذار ولا ينفع جبران باسيل تحديداً أن يتنكّر لهذا الانتماء بتمييز تيّاره عنه – القيام بعرض عضلاته المسلّم بها أساساً في مونته حتى على ظواهر الإدمان المرضي الماروني لحلفائه حين يتّصل الأمر بحروب اللهاث الى الكرسيّ الأول، إذ ليس عرضياً التندّر المرير بأن نصرالله نجح حيث أخفق بطريرك الموارنة. ولكن الردّ المنطقي على هذه اللازمة يكمن في أن آخر همّ المسيحيين والمسلمين اللبنانيين في الوطن والمهاجر هو أن يجتمع طامحون الى رئاسة لم يبق من أمجادها وإنجازاتها اليوم سوى تبعة تاريخية في الانهيار الذي بلغه لبنان.

أما الأمر الثاني فهو سبب استعجال “حزب الله” لترتيب المرحلة التي تعقب الانتخابات النيابية وتطلّ على الاستحقاق الرئاسي، ولعلها هنا النقطة الأشدّ مدعاة للتدقيق باعتبار أن الحزب – الذراع الأول لإيران ‒ يتحرّك بقوة في ظلّ المعطيات الإقليمية والدولية التي تربطه بطهران.
في أيّ حال قدّم فرنجية وباسيل، سواء بسواء، عرض الاستجابة في التوقيت والمضمون وكل ما يمليه عليهما واجب “التحالف” من توفير مادة “التعظيم” لهيمنة “حزب الله” وسطوته على قاعدة أن “السيد بيمون”. ولكن أسوأ المصادفات حلت في توقيت خطاب اليوم التالي للرجل المصنّف نائب رئيس الظل في العهد العوني الذي بدا واضحاً أنه ينأى بنفسه في الانتخابات وما بعدها وحتى أيضاً في ما بعد نهاية “عهده” عن أي “تواضع” في الإقرار بأن للناس ذاكرة وقدرة على قياس الحقائق ومقارنتها بمعايير الصح والخطأ والمحاسبة الذاتية على الأقل إن تعذرت المحاسبة السياسية والقانونية والقضائية على غرار ما يجري عندنا. نعني بذلك أنه ما كان لخطاب إطلاق الحملات الدعائية والانتخابية لأي فريق أن يستوقف كثيرين الآن في ظل احتدام السباق نحو موعد الانتخابات لو لم يكن وارث رئيس التيار العوني والطامح الى وراثته في رئاسة الجمهورية يمعن في هذا الشكل في ترسيخ التوجّه نحو الرأي العام بخطاب الاستهانة بالحقائق المفجعة الكارثية التي يتحمّلها العهد وتياره وسياسات الإنكار وإعادة التلاعب بحقائق الانهيار كلها عبر الهروب الى إذكاء معارك دونكيشوتية مع الخصوم المسيحيين تحديداً.

كان يمكن تبرير بعض الهجمات الهزلية على بعض الخصوم أو بعض التبريرات في سجلّ إلقاء تبعات الانهيار على قوى محدّدة لو تحلى صاحب خطاب السياسات الإنكارية بحدّ أدنى من احترام عقول الناس. أما أن تمسح حقائق المسؤوليات في كوارث كالكهرباء والسدود والانهيار المالي نفسه بتبعات الآخرين وحدهم تحت شعار مستجد “ما خلونا وما خليناهم” فلا ندري كم سيكفل هذا “الإبداع” لمبتكره تعويم ما لا يعوم بعد الغرق.

 

نبيل بومنصف – النهار