الانتخابات: ماهو مشروع الحزب بعدها؟

كلّما تقدّم لبنان أكثر نحو الانتخابات المقرّرة في 15 أيّار تظهّرت أكثر الوظيفة الرئيسية لهذه الانتخابات أو النتائج السياسية التي ستترتّب عليها في حال إجرائها.

الحديث عن مغزى الانتخابات لم يعد يتمحور حول التغيير الذي يمكن أن تحدثه في الخريطة السياسية للبرلمان بقدر ما بات التركيز على مدى تأثير التطوّرات الإقليمية والدولية المتسارعة على الوضع اللبناني انطلاقاً من هذه الانتخابات.

لكنّ الاستعدادات الحكومية والسياسيّة للاستحقاق الانتخابي تتسابق مع تسارع وتيرة الانهيار الاقتصادي – الاجتماعي، ولا سيّما في ظلّ الارتفاعات القياسية في أسعار الطاقة وتخبّط مصرف لبنان والمصارف التجارية. وتتسارع أيضاً هذه الاستعدادات مع الأحداث الإقليمية “النوعيّة” على وقع الاقتراب من توقيع الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما أدخل المنطقة منذ الآن في مشهد جيوسياسي جديد كانت البراهين الأولى عليه اللقاءات الإقليمية المتتالية في شرم الشيخ والعقبة والنقب، التي كان ظلّ هذا الاتفاق مخيّماً عليها جميعاً، فكيف الحال مع لبنان حيث يشكّل الحزب إحدى الركائز الرئيسية لنفوذ إيران الإقليمي؟!

ثمّة فوارق جيوسياسية نوعيّة عن لحظة توقيع الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران في العام 2015. إذ تشير تقارير صحافية غربية إلى أنّ البرنامج النووي الإيراني بات الآن تحت رعاية الحرس الثوري الإيراني. لذلك يمكن القول إنّ الاتفاق النووي هو، من الناحية السياسية، بين واشنطن والحرس الثوري. وهذا أمرٌ له تأثيرات مباشرة على سلوك إيران الإقليمي عقب توقيع الاتفاق.

فإذا كانت طهران قد كثّفت في العام 2015 استراتيجيّتها الهجومية وأغدقت الأموال المفرج عنها بفعل الاتفاق على تمويل ميليشياتها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، فلا شيء يدفعها الآن إلى سلوك مسار مختلف، ولا سيّما في ظلّ التغيير السياسي في الداخل الإيراني منذ فوز الرئيس المحافظ إبراهيم رئيسي على الرئيس الإصلاحي حسن روحاني الذي وقّعت حكومته الاتفاق في 2015.

 

أصوات المنطقة القلقة

يحصل ذلك في لحظة “انسحاب” الولايات المتحدّة من المنطقة بدءاً من أفغانستان، وهو ما يطرح هذه المرّة سؤالاً أساسياً عن سلوك أميركا في المنطقة بعد توقيع الإتفاق مع إيران بعدما كان السؤال الرئيسي في 2015 عن سلوك طهران الإقليمي عقب إبرام الاتفاق مع واشنطن.

في هذا السياق ليست قليلةَ الدلالة مناشدةُ رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينيت وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن أن يسمع الأصوات القلقة في المنطقة. وذلك في إشارة إلى توجّس دول إقليمية رئيسية من تبعات الاتفاق النووي على الأمن الإقليمي. وهو قلق مشروع. ففي لحظة “التفاؤل” الأقصى بقرب التوقيع على الاتفاق بين أميركا وإيران قصفت ميليشيا الحوثيين المدعومة من إيران منشآت نفطية وأهدافاً مدنية في المملكة العربية السعودية، في دلالة مبكرة جداً على طبيعة السلوك الإيراني عقب توقيع الاتفاق.

لكن يظهر في مقابل هذا المسار الإيراني الهجومي مسارٌ إيراني للتهدئة، وتحديداً في اليمن حيث أعلن الحوثيون هدنة مؤقّتة ووافقوا على تبادل الأسرى مع التحالف بقيادة السعودية، قبل أن يوافقوا على الهدنة المقترحة من قبل الأمم المتحدة لمدة شهرين. بيد أنّ هذا المسار ما يزال خجولاً، ولا يمكن الركون إليه للقول إنّ إيران ستغلّب التهدئة على الهجوم في المرحلة المقبلة، خصوصاً أنّها ترى في الاتفاق النووي في حال توقيعه فرصة ثمينة شبيهة بالفرصة التي أتاحها لها إسقاط واشنطن لنظام صدّام حسين في العراق، الذي أدخل المنطقة في زمن التوسّع الإيراني الذي دمّر أربع عواصم عربية حتّى الآن.

يمكن القول هنا إنّ إيران ترسل إشارات متناقضة، فتشدّ بيد القصف، وترخي بيد التفاوض مع الحوثيين، كما لو أنّها تطلب الاتفاق وتستعرض قوّتها في حال عدم التجاوب معها. وهذا يعني أنّ إيران تريد القول للجميع إنّ المنطقة باتت تحت نفوذها المباشر، تقصف من تشاء، وتهادن من تشاء.

الانتخابات محطّة

في لبنان سارع الحزب باكراً إلى ربط الانتخابات بالمشهد الإقليمي الجديد، من خلال الإيحاء بأنّ معركته الانتخابية هي ضدّ النفوذ الأميركي في لبنان وأدواته. وهو لم يفعل ذلك فقط لتعبئة “بيئته” التي قد تشهد حالات تململ سياسي بالنظر إلى تردّي الأوضاع المعيشية، بل أراد إعطاء عنوان سياسي كبير وواضح لمعركته استعداداً لمرحلة ما بعد الانتخابات التي تشكّل بالنسبة إليه محطّة ينطلق منها إلى هندسة المشهد السياسي اللاحق. بدءاً من تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات وصولاً إلى الاستحقاق الأهمّ، أي رئاسة الجمهورية.

لذلك يعمدُ الحزب إلى المبالغة السياسيّة، سواء في تكبير حجم خصومه المحليين أو في تضخيم حجم المتغيّرات التي قد تحدث في لبنان في حال خسر هو وحلفاؤه الانتخابات. منها قول كبير نوّابه محمد رعد أنّ خصوم الحزب يريدون الفوز بالغالبية النيابية لفرض التطبيع مع إسرائيل. مع العلم أنّ كلّ التقديرات الانتخابية تشير إلى احتفاظ الحزب وحلفائه بالغالبية النيابية أو بالحدّ الأدنى لن تقلّ حصتّهم كثيراً. وأيّاً يكن من أمر، فالجميع مدركٌ أنّ تأثير الأكثرية النيابية يتوقّف عند تلويح الحزب ببندقيّته، وهو ما هيمن على المشهد السياسي منذ العام 2005.

 

الاتفاق النووي أوّلاً

غير أنّ خطاب الحزب وسلوكه الانتخابيّين يشيران إلى تصميمه على الاستراتيجية الهجومية في الداخل اللبناني تطابقاً مع الاستراتيجية الهجومية الإيرانية في المنطقة. وذلك بناءً على شعور طهران بنشوة الفوز بعد حصولها المرتقب على الاتفاق النووي بشروطها، وذلك في لحظة استعجال واشنطن إتمام الاتفاق. وهو ما عبّر عنه المبعوث الأميركي الخاصّ للملفّ الإيراني في المنطقة روب مالي الأسبوع الماضي بالقول: “كلّما أسرعنا في الاتفاق نستطيع البناء عليه لمعالجة القضايا الأخرى بيننا وبين إيران وبينها وبين دول المنطقة”.

يذكّر هذا الكلام بنظريته الأساسية عقب انتخاب الرئيس جو بايدن التي تفيد أنّ الأولوية الأميركية هي لتوقيع الاتفاق النووي مع إيران، ثمّ يتمّ الانطلاق منه لحلّ القضايا الأخرى معها.

إذّاك لسنا أمام منقلب دولي – إقليمي وحسب، بل أمام منقلب لبناني أيضاً يتمثّل بشكل أساسي في تعاطي حزب الله مع الانتخابات بوصفها منصّة ينطلق منها للقبض أكثر على مفاصل الحياة السياسية والحكم في لبنان، باعتبار أنّ الاتفاق النووي فرصة له في لبنان بمقدار ما هو فرصة لإيران في المنطقة.

تحت هذا العنوان يخوض الحزب الانتخابات النيابية، وتحته أيضاً قد يدفع باتجاه إرجائها في حال رأى أنّ تأجيلها سيكون ورقة رابحة في لحظة استشعاره اهتماماً دولياً أكبر للحديث معه والاعتراف بنفوذه في لبنان. خصوصاً إذا تزامن توقيع الاتفاق النووي مع رفع الحرس الثوري عن القائمة الأميركية السوداء.

فإذا تساهلت واشنطن مع الأب، لماذا تتشدّد مع الأبناء؟

هذا أحد الأسئلة المطروحة في المرحلة المقبلة، لكنّه ليس السؤال الوحيد، إذ ثمّة سؤال أيضاً عن مستقبل وطبيعة الحضور العربي الخليجي في لبنان في المرحلة المقبلة، وعن الدور اللبناني المحتمل لمصر.

كلّ ذلك مرتبط بالانتخابات التي لا يمكن بعد، ويا للمفارقة، حسم أمر إجرائها من عدمه. وهو ما يزيد في غموض المستقبل اللبناني، لا البعيد وحسب، بل القريب والقريب جدّاً.

 

إيلي القصيفي – أساس ميديا