الانتخابات: بعض الملاحظات الأوليّة

إذا صحّ ما يقوله رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ان الانتخابات حاصلة في موعدها لامحالة، فإن ثمة ملاحظات لا بد من إيرادها للإضاءة على المشهد الذي تمخضت عنه الترشيحات، ثم تشكيل اللوائح التي ستتنافس في الاستحقاق الانتخابي.

أولا: تتميز الترشيحات بكثرة المرشحين اذ تجاوزوا الألف مرشح، أي بزيادة بلغت اكثر من عشرة في المئة عن المرة السابقة. وعلى رغم ان عدد المنسحبين بلغ اكثر من ثلاثمئة او الذين لم يجدوا لوائح للانضمام اليها، غير ان عدد الذين استمروا كبير وينمّ عن اهتمام في المجتمع بالعملية الانتخابية بشكل عام. ويمكن القول ان هذه الظاهرة تعود الى المناخ الذي ولّدته “ثورة 17 تشرين” التي تركت بصماتها على البرامج والشعارات والطموحات، أقله في الاطار العملي.

ثانيا : ارتفعت مشاركة المرأة من 111 مرشحة في المرة السابقة الى 155 بنسبة 15 في المئة. هذا معناه ان المرأة بعد “ثورة 17 تشرين” التي كانت حاضرة بقوة فيها، واصلت الانخراط في العمل السياسي في اطار الأحزاب، والأهم في اطار قوى المجتمع المدني. هذا اختراق كبير، بعدما اكتشفت اللوائح الكبرى انه يستحيل تجاوز مبدأ مشاركة المرأة في الانتخابات النيابية. بمعنى آخر، يمكن ان يشهد مجلس النواب المقبل فوز عدد اكبر من السيدات في الندوة البرلمانية.

ثالثا: ترجمت كثافة الترشيحات حيوية المجتمع المدني بصرف النظر عن طريقة تشكيل اللوائح، وشكل المعركة في ظل تعدد اللوائح التي يُفترض انها تمثل مزاج “الثورة” والمجتمع المدني. ومن هنا فإن احدى نتائج “ثورة 17 تشرين”، والحالة الاحتجاجية العنيفة التي حصلت في العامين الماضيين، بالتزامن مع الانهيار المالي والاقتصادي من جهة، وتداعيات تفجير مرفأ بيروت من جهة أخرى، ان عشرات الوجوه الجديدة ستبرز في الاستحقاق الانتخابي بغضّ النظر عن حظوظها في الفوز، التي تحتاج الى عناصر التنظيم والتنسيق والتناغم الغائبة في الاستحقاق الحالي. انما ثمة علامة فارقة يجب ان تكون ماثلة في خلفية الصورة.

رابعا: اضطرت القوى الحزبية التقليدية الى تنشيط نفسها سياسيا، وتنظيميا، واستعارت من مزاج الثورة العديد من الشعارات، كما انها ادركت ان المعركة لن تكون سهلة بوجود جمهور بدأت رياح التغيير تلفحه منذ الآن. لكن اللافت في تكتيكات القوى الحزبية التقليدية انها اضطرت هذه المرة الى خوض معارك “بقاء” في حالات عدة، وصولا الى نسج تحالفات مخالفة للمنطق والطبيعة بين قوى متنافرة في الأصل لا يجمعها سوى “مشوار” تأمين “الحاصل” في اللوائح التي جمعتها، ثم الافتراق الحتمي بعد الانتخابات. وبذلك طغت التحالفات الانتخابية الضيقة والقصيرة المدى، وغابت التحالفات العريضة في ما عدا الأطر التي تمكن فيها “حزب الله” وبشق النفس من جمع الاضداد تحت “عباءته” المدججة بأدوات الاقناع المعروفة.

خامسا: فشلت قوى المجتمع المدني في تحويل المزاج الاعتراضي العارم في البلد الى موجة عارمة تترجم بلوائح مشتركة متماسكة يمكن ان تصب لمصلحتها أصوات كثيرة لن تحصل عليها الأحزاب التقليدية. وقد شكلت الخلافات “الطفولية” عنصرا منع توحيد الصفوف لتندفع اللوائح المتشابهة الى معركة صعبة لا بل مستحيلة في اكثر من مكان. ولو توِّجت اللوائح في سياق وطني جامع لأمكن لقوى المجتمع المدني ان تنافس الاحزاب المتجذرة في السلطة والحكم منذ عقود.

سادسا: لم تغب عناوين الانقسام العمودي الكبير في البلد والمتمثل بالصراع ما بين سيطرة “حزب الله” على القرار السيادي، والقوى المناوئة له. لكن المواجهة غير متكافئة، بين جمهورعريض عابر للطوائف مشرذم، وتنظيم فولاذي متماسك يمتلك وسائل ممارسة العنف.

اذا حصلت الانتخابات فقد لا يحصل تغيير كبير. لكن ما نلاحظه هو ان تغييرا كبيرا في مقاربة اللبنانيين للحياة السياسية تمخض من رحم الازمات المخيفة التي يرزحون تحت وطأتها. ثمة تبدل في المزاج من المحتمل ان يترجم بارتفاع كبير في نسبة المقاطعة كوسيلة اعتراضية احتجاجية

 

علي حمادة – النهار