استدعاءات نصرالله تذكّر بحقبة عنجر…

لا يزال “استدعاء” الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله، كلاً من رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل وزعيم تيار “المردة” سليمان فرنجية، يثير التساؤلات حول هذا التوقيت وخلفياته، وإن كان المكتوب يُقرأ من عنوانه، بحيث تشير مرجعية سياسية في مجالسها، إلى أنه ليس صدفة أن يتزامن هذا “الاستدعاء” مع عودة سفراء دول الخليج إلى لبنان، وفي طليعتهم السفير السعودي وليد البخاري، والحركة التي يقوم بها، خصوصاً زيارته لدار الفتوى ولقائه المفتي الشيخ عبد اللطيف دريان، وصولاً إلى الإفطار الذي جمع رؤساء الجمهورية السابقين ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي ونادي رؤساء الحكومات السابقين، ودلالة دعوة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط إلى هذا الإفطار، ما يحمل رسائل بالجملة والمفرّق. فبعد هذا الجمود الذي اعترى الساحة السنّية، إضافة إلى الفريق السيادي، انقلبت الأمور رأساً على عقب من خلال تحريك المياه الراكدة على خلفية هذه الحركة والإفطارات واللقاءات، حيث قطبها السفير البخاري و”الحبل على الجرّار”، إذ، من خلال المعطيات والمعلومات، فإن الأيام القليلة المقبلة، ستشهد حركة لافتة ومواقف حاسمة تعيد خلط الأوراق على أكثر من خلفية، وفي طليعتها استنهاض الشارع السنّي بعد محاولات “حزب الله” اللعب على وتر هذا الضياع الذي أصابها، بفعل تعليق الرئيس سعد الحريري مسيرته السياسية وعزوفه عن المشاركة في الاستحقاق الانتخابي، والتباينات والارتباكات التي سيطرت على قرار “المستقبل”.

في السياق، وعَوداً على بدء، تشير مصادر سياسية عليمة لـ”النهار”، إلى أن استدعاء السيد نصرالله كلاً من باسيل وفرنجية، وجلوسهما إلى مائدته في الإفطار الرمضاني، فذلك لم يقتصر على رئيس “التيّار البرتقالي” وزعيم “المردة”، بل حضرته شخصيات أخرى، ومن طوائف متعدّدة غابت عن الظهور الإعلامي لجملة اعتبارات سياسية وانتخابية.

وتكشف المصادر أن الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله لم “يهضم” عودة السفراء الخليجيين إلى لبنان، وتحديداً السفير السعودي، وربطاً بذلك جاءت تغريدة رئيس كتلة “الوفاء للمقاومة” محمد رعد، التي تميّزت بالسخرية، فضلاً عن استمرار الإعلام المقرّب من الحزب في إثارة القلاقل وتركيب السيناريوهات التي تتناول الرياض والسفير السعودي إذ إن المصادر تؤكد أنه لم ولن يؤثّر على عودة العلاقات اللبنانية ‒ الخليجية، لأن المسألة تتخطى حملة من هنا وخبراً مُفبركاً من هناك، بحيث هنالك قرار دولي كبير يدعم هذه العودة الخليجية إلى بيروت، التي جاءت بعد مساعٍ فرنسية تولّاها الرئيس إيمانويل ماكرون شخصياً، إلى دور عربي فاعل، وحيث قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للبطريرك الماروني بشارة الراعي، “لا يمكن للبنان أن يبتعد عن المملكة العربية السعودية والخليج”، وأكد له السيسي أنه بذل مساعي كثيرة من أجل إصلاح ذات البين. كذلك نُقل عن أحد المقرّبين من أروقة الجامعة العربية، أن أمينها العام أحمد أبو الغيط، أبدى ارتياحه لعودة سفراء الخليج إلى بيروت، وقال “إن المسألة لن تتوقف عند هذا الحدّ، بل ثمة خطوات عديدة ستُتخذ في اجتماع وزراء الخارجية العرب وعلى المسؤولين اللبنانيين تلقّف بيان الخارجية السعودية الذي كان نقطة مركزية وأساسية فتحت طريق العودة، وأسّست لمرحلة جديدة على هذا الصعيد”.

ويبقى، وفق الأجواء التي تواكبها وتتابعها أكثر من جهة سياسية فاعلة، أن ما يقوم به السيد نصرالله في هذه المرحلة يذكّر بـ”حقبة عنجر والبوريفاج”، من خلال الاستدعاءات وفرض المصالحات، ولو على مضض، وثمة خطوات مقبلة سيتابعها الأمين العام لـ”حزب الله” بعد دوره الشخصي في تركيب اللوائح المتعثّرة لحلفائه، ومن ثم جمع المرشحين لرئاسة الجمهورية، أي باسيل وفرنجية، وصولاً إلى الأهم، وهنا بيت القصيد، بحيث يشدّد نصرالله، بداية على الحصول على الأكثرية النيابية، مسخّراً إمكانيات الحزب ومتوغّلاً في المناطق والساحات السنّية، وصولاً إلى اختيار رئيس للجمهورية من فريق الممانعة، وبالتالي، وهنا الأهمّ، أي فرض المثالثة أو المؤتمر التأسيسي، وهذا ما يفضي به من يدورون في هذا الفلك، ولكن البعض ممّن لهم الخبرة السياسية والباع الطويل في هذا “الكار”، يؤكدون أن لبنان له فرادته وخصوصيته، وفي المحصّلة، ثمة مقاربات عربية ودولية هي التي تحفظ هذا البلد، وبالتالي، رئاسة الجمهورية تُصنع ضمن هذه المقاربات، ومن المبكر الحديث عنها . بينما، وهذا ليس سراً، بمجرّد عودة سفراء الخليج وحركة السفير البخاري، وكل ما حصل في الآونة الأخيرة من لقاءات في باريس، إلى اتصال وزير خارجية الكويت برئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وبيان الخارجية السعودية، فإن لبنان “راجِع” إلى الحضن العربي. وبناءً على ذلك، لا يخفى أن الأسابيع المقبلة حاسمة وحازمة، ويمكن القول إن نبض الشارع السنّي الذي أصيب بصدمات وانتكاسات بدأ يستعيد عافيته، وخصوصاً على خلفية المواقف التي يطلقها المفتي دريان، أكانت انتخابية أم سياسية، دون إغفال مواقف البطريرك بشارة الراعي، الذي سيلتقيه السفير البخاري قريباً.

وجدي العريضي – النهار