إستفتاء وليس انتخابات

لا نشك لحظة في قدرة المنظومة الحاكمة على افتعال عراقيل لوجستية أو أحداث أمنية لو بدا تطيير الانتخابات ملائماً مصلحتها، أو ظهر أن تأجيلها لربطها بالاستحقاق الرئاسي يريحها في انتظار جلاء وضع إقليمي سيَّال و”اتفاق نووي” تُلاعبه شياطين التفاصيل. لكن يبدو ان الانتخابات واقعة بعد خمسة أسابيع. ومع ارتفاع الحرارة الانتخابية النيابية وانكشاف لقاءات الذل الاسترئاسية يؤمَل أن تتعاظم قناعة المواطنين بأن أصواتهم هذه المرة تحدد خيارات مستقبلية كبرى قبل اختيار أشخاص معينين.

ورغم ان تجديد المؤسسات الدستورية أكثر إلحاحاً من أي وقت سبق بفعل المأزق السياسي والاقتصادي الخطير، فإن التجارب الانتخابية كلّها منذ اتفاق الطائف تتيح القول للبنانيين: مهلاً، الانتخابات شرط شديد الأهمية لكنها مجرد شطر من بيت القصيد.

لا تقوَّم ممارسات السلطة، بأكثريتيها التشريعية والتنفيذية اللتين تولّتا الحكم ثلاثين عاماً، ببرامج ووعود انتخابية لم تحققا منها أي نزر يسير، ولا حتى بصفقات مشينة وسرقات ممنهجة لموارد البلاد. ففي معظم الدول المتخلفة منافقون أفَّاكون يقولون ما لا يفعلون، أو ناهبون لا يردعهم ضمير، لكن “فرادة” من أمسكوا بتلابيب البلاد تكمن في تأسيسهم سلَّم قيم و”ثقافة قطيع” يقعان في أدنى مراتب شروط الاجتماع. وهكذا مثلاً، ما عاد بحاجة الى تفسير، منعُ الأكثرية السيادية في مجلسي 2005 و 2009 من حقها في الحكم، وغزو بيروت في 7 آب لفرض “اتفاق الدوحة”، وتعطيل انتخاب رئيس إن لم يكن ميشال عون بالتحديد، أو عرقلة التحقيق في تفجير مرفأ بيروت وحماية المطلوبين.

لا تحصى الأمثلة على تعامل قوى 8 آذار مع أي استحقاق ديموقراطي دستوري بوصفه أداة لتكريس الهيمنة وليس فرصة لتداول سلمي يجدد الخيارات والمقاربات لمصلحة الناس. والواقع يوجب الاعتراف بأن جمهور هذه القوى عابر للطوائف يتمتع بمواصفات مشتركة وقناعات متماسكة وقدرة على تكييف الحقائق بما يتناسب مع قيم يتشاركها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر تأليه الزعيم واستسهال نظريات المؤامرة واتهامات التخوين، وتبرير الاغتيالات، وعدم استهوال نقل إحدى شخصياتها متفجرات كادت تنجح في تفجير إفطارات.

إنه سُلَّم قيم أهل 8 آذار الذي يجعل ممثليهم هذه الأيام يقصدون موسكو وسفارتها للتعبير عن التضامن مع اجرام فلاديمير بوتين، في موقفٍ شبيه ببؤس تبنّي عرب كثيرين نفي “محرقة اليهود” فيما لا ناقة ولا جمل لهم في حدث تاريخي أوروبي.

واقع الأمر ان اللبنانيين المعارضين للمنظومة لا يقارعون خصوماً سياسيين عاديين يقبلون الربح والخسارة ويتشاركون مع الطرف المقابل قيماً حديثة وثقافة عيش تحترم الحريات، او ثوابت بديهية ترى وجوب وجود دولة ذات سيادة كاملة ترعى مواطنين متساوين. كان ذلك معروفاً، لكنه وصل اليوم الى أقصاه مع فقدان الدولة مقوماتها وعزلها عن محيطها العربي والمجتمع الدولي، ومع استشراس مشروع إلحاق لبنان بالمحور الإيراني. لذلك فإن اللبنانيين لن يكونوا هذه المرة على موعد مع اقتراعٍ سياسيّ عادي، بل أمام استفتاء وطني واجتماعي وثقافي يوجِّه بوصلة السؤال الأبدي: “أي لبنان نريد؟”، سواء عبر “مؤتمر دولي” للتوافق على نظام يرضي جميع اللبنانيين، أم عبر مشروع نضال جديد عنوانه الحياد أو”حق تقرير المصير”!

 

بشارة شربل – نداء الوطن