14 آذار… التسوية مستحيلة؟!

لعل الفارق الجوهري الذي يواكب حلول الذكرى الـ17 لانتفاضة 14 آذار 2005 هذه السنة مقارنة بالسنوات الثلاث الأخيرة تحديداً، أي بعد انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 ذات البعد الاجتماعي، يتأتى من تزامن الذكرى مع المناخ الانتخابي الشديد الالتباس عشية انتخابات 2022 بشقيها النيابي والرئاسي. حتى إنه يمكن الجزم بأن ما يعيشه لبنان من تفاقم مخيف في أزماته وانهياراته والاتجاهات السياسية التي تحكم واقعه الدراماتيكي راهناً يجعل من استعادة ثورة سيادية مقترنة بثورة اجتماعية في توأمة تامة مسلكاً وحيداً لنجاة اللبنانيين من هذه المحرقة التي تجهز عليهم.

ومع الأهمية الساحقة للانتخابات النيابية التي يمكن التعويل عليها لإحداث تبديل جذري في مسار الانهيار اللبناني فإن حجم القلق يتعاظم من أن يكون البعد الاجتماعي، قبل أيّ عامل آخر، همّش لدى كثيرين عامل التيقظ للخطورة العالية التي يشكلها تهميش البعد السيادي في الدراما اللبنانية منذ تهاوى معسكر السياديين اللبنانيين في مواجهة محور حلفاء إيران والنظام السوري وسائر منظومة قوى 8 آذار.

ولا نغالي إن تملّكنا الخوف أكثر فأكثر من أن تشكل إدارة سيئة للانتخابات لجهة العجز عن تشكيل آخر معالم التحالفات السيادية أو المعارضة أو ائتلاف التغييريين، أو أيّ تسمية أخرى تضمّ سائر القوى والجماعات والشخصيات المناهضة لقوى “محور الممانعة”، الى تشريع مجّاني بالغ الخطورة للخلل في ميزان القوى القائم منذ سنوات بما يعني إعلان النهاية الدراماتيكية “الرسمية والمشرعة” لما يسمّى سيادة واستقلال لبنان الذي كان.

ليس عرضياً هذا الانتفاخ المتدحرج في الخطاب الانتخابي السياسي التعبوي الذي يتولاه “حزب الله” رافعاً لواءً دعائياً من أيام ولادة الثورة الخمينية أو حتى من زمن الستار الحديدي العتيق المندثر “محاربة أزلام أميركا”. يكاد الأمر يكون مقضياً في حسم الانتخابات لدى طائفة الثنائي الشيعي ولا حاجة بهما للانتخابات الشكلية بعد الآن، فيما يمضي الحزب في مناورة الادّعاء أنه يمارس اللعبة الديموقراطية حتى الثمالة. ولكن المسألة ليست هنا، بل في اندفاع السباق الانتخابي هذه المرة الى أخطر الأخطار إذا قُيّض للحزب وحلفائه، بقلة قليلة من نسب أصوات هزيلة، أن يقضموا أكثرية نيابية جديدة تشرع لهم وضع نهاية مأسوية بكلّ المعايير لكل ما حصل قبل 17 عاماً ولكل ما أُهرق من دماء شهداء وضحايا على طريق إعادة التحرّر الى سيادة ودولة ومجتمع.

وما دام الموسم الانتخابي انفتح على الغارب فإن أقل الإيمان في يوم ذكرى أكبر انتفاضة سيادية عرفها لبنان تملي الاعتراف بحقائق لا يمكن تركها لألاعيب الدعاية الانتخابية والسياسية في ما بقي من مدة فاصلة عن موعد الانتخابات النيابية. من هذه الحقائق أن الحليف الأكبر لـ”حزب الله” أي العهد العوني وتيّاره سيتعيّن عليه أن يسأله ما دام يرفع شعار المعركة بأنها بين “أهل المقاومة وزلم أميركا” فإلى أين سيذهب لبنان بعد الانتخابات إذا فاز الممانعون، والى أين إذا لم يحققوا ما يمنّون النفس فيه بقهر كلّ خصومهم؟ ثمّ أيّ وهم بقي بعد لدى الذين يتغرغرون بما يسمّى تسوية بين غالبية الفئات اللبنانية، وليس فقط القوى السياسية، و”حزب الله”، على مبادئ ومفاهيم لقيام دولة السيادة الحقيقية لا تلك المرتبطة بمفاهيم الحسم والتبعية لـ”المحور الممانع”؟

أن تكون التسوية استشهدت فهذا أخطر ما نعيشه في 14 آذار وكل ما قبله وبعده.

 

نبيل بومنصف – النهار