11 توصية إلزامية منها اعادة هيكلة المركزي

إختتم معهد التمويل الدولي مؤخرًا زيارته الافتراضية إلى لبنان، والتي قام بها من 23 لغاية 25 شباط الماضي، حيث اجتمع أعضاء معهد التمويل الدولي مع خبراء محليين ودوليين لمناقشة الأزمة السياسية الاقتصادية والمالية القائمة في لبنان والإصلاحات اللازمة لوضع الاقتصاد على طريق الانتعاش المستدام.

شارك في الجلسات الحوارية كبار المسؤولين في الحكومة اللبنانية، إضافة الى أعضاء سابقين في مجلس إدارة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، وكبار الاقتصاديين من المؤسسات المالية العالمية مثل «موديز»، «غولدمان ساكس»، بلاك روكس»، وممثلين عن القطاع المصرفي اللبناني.

ورأى المجتمعون أن الانقسامات السياسية في لبنان آخذة في الاتّساع وان الأزمة الاقتصادية والمالية آخذة في التفاقم، مما قد يؤدّي إلى فتنة أهلية وتفكك في البلاد. معتبرين ان النظام السياسي اللبناني القائم على الانقسامات الطائفية، لا يزال يشكل عقبة كبيرة أمام الإصلاحات الاقتصادية، مع الاشارة الى ان النخبة السياسية الممثلة في البرلمان مهتمة فقط بالحفاظ على قبضتها على الاقتصاد ومالية الدولة. واشاروا الى ان التقاعس المتمادي للحكومات المتعاقبة في وجه الأزمة الاقتصادية والمالية أدّى إلى انعدام مصداقية الدولة، مما سيتطلب إحراز خطوات كبيرة واتخاذ تدابير سريعة لبدء استعادة المصداقية والثقة.
ورأى المجتمعون ان الأمل الوحيد للبنان للتعامل مع أزمته المالية والاقتصادية هو تنفيذ برنامج شامل للتعديل والإصلاح بمساعدة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، يتضمن العناصر الرئيسية التالية:
– استكمال التحقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان على وجه السرعة. بما في ذلك التحقق من التفاصيل الكاملة لميزانيته العامة وتدفقاته النقدية والمالية، بالاضافة الى إعادة هيكلة مصرف لبنان وهو أمر جوهري يساعد على وضع سياسة نقدية فعالة.
– إقرار قوانين قوية للشفافية ومكافحة الفساد بآليات تنفيذ صلبة.
– توحيد اسعار الصرف المتعددة. (رغم انّ تدخل مصرف لبنان في الأسابيع الأخيرة أدّى إلى دعم الليرة في السوق السوداء إلى 21000 ليرة من ذروة 33 الف ليرة في كانون الثاني، فإنّ هذا الاتجاه ليس مستداما نظرا للاستنفاد الافتراضي لاحتياطيات مصرف لبنان. وفي حال عدم اعتماد برنامج إصلاح هيكلي شامل، فإنّ سعر صرف الليرة سيعاود الانهيار بعد بضعة أسابيع أو أشهر).

– إعادة هيكلة الديون. (من اجل تحقيق استدامة الدين، فإن سندات اليوروبوندز بحاجة إلى إعادة هيكلة، تتضمن «هيركات» بنسبة 70 في المئة).
– إعادة هيكلة القطاع المصرفي أمر لا بدّ منه وسيكون الجزء الاصعب ضمن البرنامج المحتمل مع صندوق النقد الدولي. تحتاج البنوك إلى عملية تدقيق لتحديد المتعثرة منها. ويجب احتواء موجودات ومطلوبات البنوك المتعثرة، الدفع لمعظم صغار المودعين بالكامل، وبيع الاصول المتبقية بالمزاد العلني. مثل هذه العملية يمكن أن تؤدي إلى إنشاء نظام مصرفي أصغر حجماً.
– اقرار قانون الكابيتال كونترول.
– اعتماد إطار مالي متوسط ​​الأجل لضمان استدامة الدين. أوصى المجتمعون باعتماد موازنة تمتد من 3 إلى 5 سنوات لضمان استدامة الدين، بما في ذلك إصلاح الخدمة المدنية، وتحديد أولويات الانفاق لدعم البنية التحتية والخدمات الاجتماعية ، ومراجعة وتحديث النظام الضريبي بهدف تأمين الإيرادات الإضافية التي يمكن تخصيصها للقطاعات الاجتماعية والبنية التحتية.
– إعادة هيكلة مؤسسات القطاع العام. الموافقة على خطة شركة كهرباء لبنان الجديدة بما فيها توصيات البنك الدولي.
– تأمين نظام متكامل للحماية الاجتماعية.
– إنشاء المجلس الاقتصادي الأعلى للشؤون الطارئة مهمّته التنسيق والتفاوض والتأكد من تطبيق برنامج الإنقاذ.

– تحسين القاعدة الإحصائية للبنان.
وشدّد المجتمعون على أهمية تحديد أولويات إجراءات الإصلاح وتسلسلها، حيث يجب أن يكون التركيز في المدى القصير على تحقيق استقرار في الاقتصاد الكلي، بما في ذلك استقرار نسبي في سعر الصرف الموحد الذي يحدده السوق، خفض نسب التضخم والعجز.
يمكن تحقيق تلك الاجراءات جزئيًا عن طريق الحد من الزيادة في السيولة المتداولة بالليرة اللبنانية في السوق. واشاروا الى ان نجاح مثل هذا البرنامج سيعتمد بشكل حاسم على الدعم السياسي.

 

 

الدعم الدولي
إذا قرر لبنان الالتزام بقوة تطبيق برنامج شامل من الإصلاحات العميقة، وإذا اظهرت القيادة السياسية التزامًا قويًا بتنفيذ البرنامج، فإنّ مصادر الدعم الخارجية ستستجيب وتوفر الدعم المطلوب للنهوض بالاقتصاد اللبناني وانتشاله من حالة الانهيار إلى حالة الاستقرار فالنمو المستدام والعادل على المدى الطويل.

وقد توافق معظم المتحدثين على انه نظرا لأزمة الثقة التي واجهها لبنان، فإنّ الدعم الدولي لن يتوفر ما لم يتم تطبيق برنامج الإصلاح بشكل ملموس. مع الاشارة الى ان وجود أربعة مصادر على الأقل للمساعدة الخارجية يستطيع لبنان الاستفادة منها:
– صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسات أخرى متعددة الأطراف. حيث يمكن ان يساعد صندوق النقد الدولي في 3 أشكال: صياغة البرنامج، المساعدة المالية المباشرة، وتحفيز المانحين على الدعم مقابل الإصلاحات. يمكن للبنك الدولي أيضًا المساعدة في صياغة الإصلاحات الهيكلية والمساعدة المالية المباشرة.
– الدول المانحة ودول مجلس التعاون الخليجي وأوروبا والولايات المتحدة وكندا.
– المغتربون اللبنانيون المقدّرة تحويلاتهم بحوالى 7 مليارات دولار سنويا.
– قد يبدي المستثمرون الأجانب من القطاع الخاص اهتماما في قطاع الاتصالات ومؤسسة كهرباء لبنان بمجرد أن تصبح مربحة وتفتح أمامها مشاركة القطاع الخاص.

التغيير السياسي أوّلاً
اتفق اعضاء معهد التمويل الدولي والمجتمعون بالإجماع على أن النظام السياسي اللبناني بتقسيماته الطائفية، لا يزال يشكل عقبة كبيرة أمام الإصلاحات الاقتصادية، وعلى ان الأمل يكمن بأن تنتج الانتخابات النيابية المقبلة المقرر إجراؤها في ايار، طبقة سياسية جديدة مستعدة للدفع قدما في الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية اللازمة. واشاروا الى انه في غياب اي تغيير كبير في تكوين البرلمان الحالي، سيكون من الصعب تطبيق الإصلاحات الاقتصادية. كما اتفق المجتمعون على ان لبنان بحاجة الى برنامج انقاذ مع صندوق النقد الدولي ليس فقط من اجل الحصول على الدعم المالي، ولكن الأهم من ذلك لضمان تنفيذ الاصلاحات الاقتصادية المطلوبة.

ومع ذلك، لم يكن معظم المتحدثين متفائلين بأنّ النخبة السياسية الفاسدة على استعداد لفرض تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي والفريق الاقتصادي برئاسة نائب رئيس الوزراء.

توقعات للعام 2022
نظرًا للتوقعات غير المؤكدة، أعدّ كبير الاقتصاديين في معهد التمويل الدولي د. غربيس إيراديان سيناريوهين:
1 – السيناريو المتفائل يفترض أن يُسمح للحكومة بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية العاجلة والتي سيتم المصادقة عليها بالكامل من قبل البرلمان وتؤدّي إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي بحلول حزيران 2022. مثل هذا السيناريو سيسهّل الحصول على المساعدة الإضافية التي تمسّ الحاجة إليها من مصادر اخرى متعددة الأطراف. في هذه الحالة، ستوحد السلطات جميع أسعار الصرف المختلفة، ربما عند حوالى 20.000 ليرة لبنانية، ثم اعتماد نظام سعر الصرف العائم الذي يمكن أن يؤدي الى ارتفاع الليرة إلى حوالى 17500 مقابل الدولار بحلول نهاية عام 2022. يمكن أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3.5 % في عام 2022 (وإن كان من مستوى منخفض للغاية) مع انتعاش قوي في النصف الثاني من هذا العام بعد انكماش بسيط في النصف الأول. يمكن أن تتقلص الضغوط التضخمية بدعم من سعر الصرف الموحد، مع انخفاض متوسط ​​التضخم من 140 % في 2021 إلى 98 % في 2022. اما عجز الحساب الجاري المقدّر بنسبة 29 % من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021، فمن المتوقع أن يتقلص إلى حوالى 26 % من الناتج المحلي الإجمالي في ظل توقعات بتحسّن العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي والتي تشمل رفع الحصار عن الصادرات اللبنانية، وانتعاش أقوى في عائدات السياحة.

بالاضافة الى ذلك، قد يضع البرنامج المحتمل لصندوق النقد الدولي، الدين العام المرتفع جدًا في لبنان، على مسار الانخفاض من خلال تنفيذ التدابير المالية وإعادة هيكلة الديون، بما في ذلك ربما اقتطاع بسنبة 70 في المئة من سندات اليورو.
2 – السيناريو المتشائم يفترض إصلاحات جزئية وعدم الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على برنامج شامل، ونقص في التمويل الخارجي الكافي. في ظل هذا السيناريو، سيبقى الاقتصاد اللبناني ضعيفاً، وسيواصل سعر الصرف في السوق الموازية انهياره لأكثر من 35000 ليرة لبنانية بنهاية عام 2022. كما من المتوقع ان يصل متوسط ​​التضخم إلى 141 %، ويتسع عجز الحساب الجاري أكثر إلى 31 % من الناتج المحلي الإجمالي، كما ستنخفض الاحتياطيات الرسمية بما في ذلك الاحتياطي الالزامي، إلى أقل من 10 مليارات دولار بحلول نهاية عام 2022. في هذا السيناريو، توقع معهد التمويل الدولي أيضًا أنه يجب أن تبقى نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي أعلى بكثير من 200 % من الناتج المحلي الإجمالي في غياب إعادة هيكلة الديون.

 

رنى سعرتي – الجمهورية