“وهم الحشمة”… للمحتضرين!

قد يكون التحسّب لغدرات الفخاخ والمؤامرات الجدّية للتمديد النيابي وتالياً الرئاسي، وحده ما يحملنا مجدداً على مقاربة “نوعية” نادرة من المسؤولين والسياسيين بات العثور على مزيد من الأوصاف الموضوعية لهم أشبه بجلد الذات لفرط ما استنفدوا النعوت الشنيعة، إذ نبقى على خشية متعاظمة وواجبة حيال الظروف الغادرة التي تتربص بنا لئلا يأخذنا الطاقم المتحكم بلبنان بقبضة غاشمة في لحظات مباغتة، الى إطاحة الانتخابات النيابية والرئاسية تباعاً، بفعل أحداث مخطط لها داخلياً أو بفعل توظيف أحداث خارجية مدوّية كالتداعيات المتدحرجة للغزو الروسي لأوكرانيا.

من هذا المنطلق فقط تبدو مقاربة سلوكيات أهل العهد والسلطة والإضاءة عليها في ما يفترض أنها مرحلة العبور الى التغيير “الديموقراطي”، على الكثير من شكوكنا في هذا الإنجاز، مسألة حتمية، خصوصاً أنهم أثبتوا قدرة مذهلة على ممارسة سياسات الإنكار وأظهروا أنهم تلامذة الطغاة الذين يرتبطون بمحورهم.

والحال أن جردة عابرة للمقرّرات “والإنجازات” التي تدور حولها جلسات مجلس الوزراء الأخيرة كما الاجتماعات التي يتبرع أهل العهد والحكومة بالإفصاح عنها وملء الإعلام الببغائي في ترداد الأقوال والمواقف المدهشة لعظماء الدولة من مجريات الانهيارات الداخلية، كلها تنبئ بأن طينة حكام لبنان ومسؤوليه هي من الطراز “المندثر”.

في حمأة الأزمات والانهيارات المتدحرجة لا يسمع اللبنانيون سوى عن عظائم المعارك الصغيرة الدائرة في جلسات الأنس الحكومية حول شدّ الحبال في شأن “الميغاسنتر”، والكلّ يعرفون أنها معركة ليّ أذرع لا أكثر ولا أقلّ، أو عن مأثرة مدهشة مثل إلغاء مشروع أوتوستراد أو إلغاء استملاكات كرمى لعيون التيار الحاكم باسم التحالف المعمّد بالتبعية، أو عن تمريرات من هنا وهناك وهنالك لا موجب للخوض فيها…

تجري هذه النماذج في بلد ينازع بقايا البقاء وتتصاعد فيه ومن حوله كل مؤشرات الاندفاع نحو الهوّة السحيقة الأخيرة وسط ظروف خارجية لم تعد تسمح بأي رهان على “إسعاف” دولي في عالم بات مهجوساً بتداعيات مغامرة حربية مجنونة فرضها فلاديمير بوتين على أوروبا وباتت تستحضر رعب الهاجس النووي.

في لبنان ثمّة ظاهرة تمعن أيضاً في فرض نفسها ولا يمكن تجاهلها وهي ظاهرة مسؤولين منعزلين تماماً عن كل العوالم إلا عوالمهم وحساباتهم الخاصة وغرقهم المذهل في إنكار هائل لكل ما يضرب لبنان وكل ما يحوطه من أخطار. لعل المفارقة المخيفة أن هذا الواقع يشكل “الاحتضار” السياسي الذي يختصر نسبة ساحقة من المسؤولين والسياسيين في الطاقم القائم إذ إن الأمر لا يقف عند حدود العهد والحكومة ومجلس النواب بل يتمدّد الى زعامات وساسة أيضاً لا مجال في هذه العجالة للخوض في سلوكيات إنكارهم ولكن سيكون للبحث صلة لاحقاً. والأهم في ما يعنينا من إبراز ظاهرة سياسات الإنكار مجدداً أنها تتفاقم عند مشارف مرحلة يُفترض أن تخيف هؤلاء الأبطال الميامين وتدفعهم الى التستر والتزام بعض الهيبة المصطنعة أو الإيحاء بـ”وهم الحشمة” على الأقل أو التخفي قليلاً عن عيون ومشاعر وغضب اللبنانيين في لحظة العبور الى استحقاق التعبير الديموقراطي لعله يحمل الانعتاق والتحرر الحقيقي.

ومع ذلك ترانا أمام استشراس لا يُصدّق في تفجّر سياسات وسلوكيات وحسابات تنضح بذاك الشيء نفسه الذي أودى بلبنان الى متاهات الانهيار وسوء المصير. فلنحذر على الأقل من ضربات تُدبّر لنا بعد في كواليسهم المعتمة!

نبيل بومنصف – النهار