هل يمكن الاستغناء عن الوساطة الأميركية؟

مضى على بدء الوساطة الاميركية بين لبنان واسرائيل من اجل ترسيم الحدود البحرية حتى الان نحو 12 سنة لم يبحث خلالها لبنان عن اي وسيط بديل من الوسيط الاميركي على رغم معرفة الجميع وبمن فيهم “حزب الله” في شكل أساسي أن الولايات المتحدة التي يؤخذ عليها دعمها الكامل لاسرائيل بمختلف اداراتها المتعاقبة هي من يعول عليها لقيادة وساطة موضوعية وحيادية لملف ترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل. حين بدأ التفكير في اجراء وساطة بين الجانبين كان ذلك على هامش محاولات انجاح وساطة اميركية بين النظام السوري واسرائيل للوصول آنذاك إلى اتفاق سلام بينهما. رفع الحزب في الايام الاخيرة وعلى نحو مفاجئ بدخوله على خط موضوع ترسيم الحدود البحرية علنا واعلاميا من سقف الهجوم على الوسيط الاميركي. الامر الذي ربطه سياسيون باعتبارات داخلية وللاستهلاك الداخلي فيما ان وساطة اموس هوكشتاين لا يمكن ان تستمر لولا ان جواب الحزب لم يكن ايجابيا من الاساس ولو على نحو غير مباشر . ولعل الاحراج الذي يواجهه الحزب انه مضطر إلى خطاب تعبوي يغطي على هذا الواقع الذي يتلمسه الجميع، اي الموافقة والتسليم بالوساطة الاميركية والتعاون معها كذلك، ما يساهم في اضعاف موقفه او منطقه في مواجهة الاميركيين والتصدي لنفوذهم في لبنان وفقا للخطاب الذي يتم تقديمه. يحتاج الحزب إلى هذا الخطاب المعادي للاميركيين شأن إيران نفسها التي تفاوض الاميركيين أنفسهم ولو بالواسطة في فيينا من اجل العودة إلى الاتفاق النووي الذي اعاد زخما ودفئا إلى العلاقات الاميركية الايرانية ولو لأعوام قليلة. ولكن لا ييأس السياسيون المعنيون من الاشارة إلى تولي الرئيس نبيه بري ملف التفاوض مع الجانب الاميركي على نحو لا يغيب عن ربطه بإقرار الاميركيين أنفسهم بان بري يربط بين موقف مؤسسات الدولة وموقف الحزب. اذ ان ليس رئيس مجلس النواب من يفاوض باسم لبنان في ملف حساس بهذه الاهمية ولكنه كان مسلما له بهذا الدور لابقاء الحزب في الصورة عملانيا ومنخرطا في المفاوضات على نحو غير مباشر.

يقول سياسيون انه إذا كان ثمة اعتراض على الوساطة الاميركية لاقتناع وثقة بان الجانب الاميركي غير حيادي في موضوع ترسيم الحدود ويأخذ جانب اسرائيل، يفترض ان يتوقف الاعتماد على هذه الوساطة والرهان عليها. اذ يدرك الجميع ان للحزب كلمة فاعلة ومؤثرة جدا في هذا الاتجاه كما في كل الاتجاهات، فيما ان الاتهامات تقع عدا عن ذلك في باب التعمية اكان ذلك بهدف التحشيد من اجل الانتخابات على غرار كلام رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد عن الانتخابات الرئاسية وتحديده المبكر لمواصفات الرئيس المقبل من باب الحملة على افرقاء يعلنون مواجهة نفوذه او لاعتبارات اخرى تتصل بعلاقات الحزب مع حليفه المسيحي او اعتبارات اقليمية تتصل بالمرحلة الدقيقة الاخيرة للعودة إلى العمل بالاتفاق النووي. ويعود هؤلاء إلى ما ورد في حديث الرئيس نبيه بري لصحيفة الاهرام ابان زيارته الاخيرة إلى القاهرة وقوله في موضوع ترسيم الحدود ” بعد عشر سنوات وتغير خمسة مندوبين أميركيين استطعنا أن نصل إلى اتفاق تفاهم تم الإعلان عنه، من واشنطن ومني في بيروت ومن إسرائيل، في الوقت نفسه تم اتفاق الإطار، وقلت إن دوري انتهي، وسلمت هذا الأمر إلى الجيش وإلى السلطة التنفيذية، وفى أول اجتماع تم الاتفاق كما رسمنا أنه على الجميع ودون استثناء أن يعرف أن هذا الاتفاق جزء لا يتجزأ من التفاهم، وبعد ذلك صارت هناك مطالبات لبنانية والحديث عن نقاط بدلا من البدء بالرسم، وحدث تضارب ما بين خط 29 أو 23 أو خط «هوف»، (نسبة إلى فريدريك هوف أول مبعوث أميركي فيما يتعلق بترسيم الحدود)، وما إلى ذلك، وأنا في كل ذلك متمسك بموقفي، لا أتحدث عن خطوط بل حدود، هذا الذي حدث وتسبب في التأخر، لكن منذ أيام جاء المبعوث الأميركي وكنت آخر من زارهم، وسمع مني الكلام نفسه الذى أقوله منذ عشر سنوات، لكنني لاحظت تغيرا وهو وجود تفاؤل كبير من جانبه، وتبين بعد ذلك أنه في زيارته لرئيس الجمهورية قال للمبعوث إن مطالبتنا بالخط 29 كان فى مرحلة التفاوض، لكني الآن أريد الطريق الذي سلكه الرئيس بري وهو التمسك بالحدود، وأعتقد أن باب التفاهم مفتوح، لكنني لست متفائلا لأنني أعرف نوايا إسرائيل التوسعية والعدوانية”. فحتى رفع السقف من جانب الحزب على تراجع رئيس الجمهورية ميشال عون عن الخط 29 إلى الخط 23 ليس في محله لان هذا التراجع معروف منذ رفض الرئيس عون التوقيع على تعديل المرسوم 6433 ابان حكومة الرئيس حسان دياب وتاليا هو ليس خافيا او جديدا لكنه احرج الحزب ووضعه في موقع صعب ازاء صمته على هذا التراجع الذي ضج به الاعلام فيما يضع الحزب نفسه في موقع المدافع عن لبنان في وجه الاميركيين والمطامع الاسرائيلية على حد سواء ، وذلك ما لم تكون قد برزت حاجة إلى العودة بهذا الملف إلى الوراء لاعتبارات قد لا تكون محلية ضرورة ورغبة في التشدد للحصول على تنازلات لمصلحته من ضمن عملية التفاوض القائمة.

لذلك فان اسئلة يثيرها هؤلاء السياسيون إذا كان الهدف من الموقف المستجد للحزب من اجل تأخير التفاوض كما جرى حين برز الكلام على الخط 29 معطلا جولات التفاوض لرفض اسرائيل المطلق متابعة هذه الجولات على اساس الخط الجديد الذي يريده لبنان، او سوى ذلك من باب استحضار الهجوم على الوساطة الاميركية او استهداف الوسيط هوكشتاين بالذات علما ان كلام محمد رعد بدا مدروسا وغير عشوائي.

 

روزانا بومنصف – النهار