هل يكون «الميغاسنتر» لغم تطييرها؟

تتمدّد أزمةُ الثقة بين اللبنانيين وسلطاتهم الرسمية فوق رقعة الكوارث التي تنهال على رؤوسهم والتي اقتربت من أن تتحوّل «وصفةً قاتلة» مع تداخُل الانهيار المالي الذي يفتك ببلدهم مع «دومينو» التأثيرات المدمّرة للبركان الأوكراني على صعيد الاقتصاد العالمي.

وإذ لم يكن مستغرَباً أن تُقابل «تطمينات» الحكومة اللبنانية إلى أن «الأمور تحت السيطرة» في ما خص تداعيات الحرب على أوكرانيا وأن «لا داعي للهلع» من انقطاع سلعٍ استراتيجية بـ «موجةِ ذعرٍ» وتَهافُتٍ على التخزين والاصطفاف في طوابير أمام محطات المحروقات، فإن انعدام الثقة «المزمن» بالسلطة السياسية بدأ يتبلور أيضاً في ما خص مصير انتخابات 15 مايو النيابية التي كلما أكد المعنيون أنها «على موعدها» ازداد التوجّس من «كمائن» تُنصب لها في خفاءٍ لم يعُد في الساعات الماضية… خافياً.

ففيما كانت الاهتمامات منصبّة على كيفية «تصفيح» الواقع اللبناني بإزاء ما يشي بأن تتحوّل أوكرانيا «أفغانستان الأوروبية» وسط مخاوف من «الأسوأ» بحال فُرض حظر على الغاز والنفط الروسييْن قد يضع العالم أمام أعتى أزمة طاقة منذ 43 عاماً، وعلى وقع وثبة جديدة بأسعار المحروقات في بيروت أمس (بنحو 30 ألف ليرة لصفيحة البنزين)، لم تجد السلطة في بيروت حَرَجاً في الدخول بـ «مناوراتٍ» بين أطرافها تتعلّق باستحقاق الانتخابات الذي يقاربه الخارج على أنه مفتاح معاودة بناء الثقة الدولية بلبنان يُراهن على أنه سيكون «آخَر» في توازناته السياسية وتالياً في تموْضعاته الإقليمية ومدى تمكين «حزب الله» بمفاصل القرار فيه.

وحتى لو كان تلميح وزير السياحة وليد نصار في اجتماع لجنة «الميغاسنتر» (المراكز الكبرى التي تتيح للناخبين الاقتراع في مركز إقامتهم إذا شاؤوا) إلى تأجيل الانتخابات لزوم استكمال الاستعدادات لاعتماد هذه المراكز وتذليل معوقات أخرى، هو في سياق محاولة فريق الرئيس ميشال عون (التيار الوطني الحر) الذهاب حتى النهاية بـ «إحراج» خصومه المسيحيين انتخابياً، وفق ما عبّر عنه أمس، هجوم النائب جبران باسيل على رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع من دون تسميته، أو أن الأمر يأتي في إطار «بالون اختبار» لقياس ردّ فعل الخارج على أي تمديد ولو «تقني» للبرلمان، فإنّ تبادُل الاتهامات للمرة الأولى بين مكوّنات الحكومة نفسها تحت عنوان «نية إرجاء الانتخابات» بدا أبعد من مجرّد «تسجيل نقاط».

وقد اعتبرت أوساط سياسية، أن ما جرى مؤشر جديد يعزّز الخشية التي تصاعدت في الأيام الماضية من أن السعي لتطيير استحقاق 15 مايو، لم يُطوَ بعد رغم تَعدُّد حسابات الراغبين بتأجيله وتقاطُعها في مكان أو آخَر سواء ربطا بالانتخابات الرئاسية (خريف 2022) أو بمقتضيات إقليمية.

وحاول نصار أمس، وقبل يومين من اجتماع مجلس الوزراء غداً، لبت مسألة «الميغاسنتر» بناء على الخلاصات التي ستتوصل إليها اللجنة الوزارية التي تم تأليفها، احتواء العاصفة التي أحدثها ما نُقل عنه لجهة طلب تأجيل الانتخابات 3 أشهر، مكرراً أن ما قاله جاء رداً على مداخلات وزيري الثقافة والمال عن معوقات مادية وقانونية لا تزال تمنع إجراء الانتخابات بموعدها، وعندها اقترح أن يصار لمطالبة البرلمان بإمرار المواضيع المادية والقانونية الضرورية بما يؤكد ان الانتخابات ستجري بموعدها «والا إذا كنتم عاجزين فلنصارحهم ونقول فلتتأجل الانتخابات»، مشدداً على أنه «لا يوجد أي عائق كي يتم تنفيذ الميغاسنتر خلال المهلة المحددة وخلصنا من الخبثنة السياسية، ويجب عدم تأجيل الانتخابات يوماً واحدا، وأنا أتنازل عن الميغاسنتر لمصلحة إجراء الانتخابات بموعدها”.

وإذ سيكون موقف رئيس الجمهورية غداً، مؤشراً فعلياً لأي مدى سيذهب في إصراره على «الميغاسنتر» (يُرجح إحالة الملف على البرلمان لحسمه) رغم تأكيد وزارة الداخلية استحالة اعتمادها في الشهرين الفاصلين عن 15 مايو وهل باتت هناك «وحدة مسار ومصير» بين هذا الملف والانتخابات في ذاتها، كان لافتاً أن إعلام رئيس البرلمان نبيه بري (محطة ان بي ان) اتّهم صراحة فريق عون (التيار العوني) بطرح تأجيل الانتخابات «المفاجئ في اجتماع لجنة الميغاسنتر» عبر وزير السياحة، وهو الأمر الذي رفضه وزير الثقافة بسّام المرتضى، ولو كان التأجيل ليوم واحد، مع التأكيد على ان «الأهم إتمام الانتخابات بموعدها ورفض محاولات وضع العقبات التي تؤثر على اجرائها».

في المقابل، كانت قناة «أو تي في» تشنّ «هجوماً دفاعياً» معلنة «معظمهم لا يريدون الانتخابات، لكنهم يحولون ويدورون، ويتهمون الطرف الوحيد الذي يريدها، بالسعي إلى عرقلتها، والأسوأ من كل ذلك، أنهم يكذبون، ويشوهون مواقف بعض الوزراء في اللجان، ليظهروا زوراً في مظهر الحريصين على العملية الانتخابية من دون أن يصدقهم أحد».

وفي موازاة ذلك، لم تحمل إدارةُ قضية الترسيم البحري مع اسرائيل إشاراتٍ تسمح بترميم الثقة بأداء لبنان الرسمي الذي لم ينجح في التعاطي مع عنوانٍ بهذا البُعد الاستراتيجي والحيوي خارج المناكفات والحسابات الضيقة السياسية التي يُخشى أن تضيّع على الوطن المنكوب فرصة استثمار ثروة كامنةٍ عبر المفاوضات غير المباشرة التي تتولى فيها واشنطن دور الوسيط. علماً أن هذا العنوان المتداخل مع اللوحة الإقليمية المعقّدة، بات أيضاً وبطريقة أو بأخرى متشابكاً مع ملف استجرار الغاز من مصر والكهرباء من الأردن عبر سورية للتخفيف من أزمة الكهرباء المأسوية في «بلاد الأرز»، رغم أن بدء المراحل التنفيذية لهذا الملف ترتبط تقنياً بمسألتيْ التمويل من البنك الدولي الذي يشترط موافقة الحكومة اللبنانية على خطة الكهرباء، وإعفاء واشنطن الصريح من عقوبات قيصر وهو ما لن يُحسم قبل سير البنك الدولي بالتمويل.

وفي حين ارتسمتْ في الأيام الأخيرة ملامح تعقيدات سياسية علّقت تشكيل اللجنة الوزارية لبحث الطرح الخطي الذي قدّمه الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين للبنان حول الترسيم وإعطاء «جواب نهائي» عليه، بعد التقارير عن رفْض الثنائي الشيعي «حزب الله» ورئيس البرلمان نبيه بري مشاركة ممثلين لهما فيها، بالتوازي مع امتناع الجيش اللبناني عن التمثل فيها، برز موقف لقائد الجيش العماد جوزف عون أمس أعلن فيه «أن الجيش أنجز مهمته التقنية في المفاوضات غير المباشرة لترسيم الحدود البحرية بناءً على تكليف من السلطة السياسية، وبذلك يكون دورنا انتهى عند هذا الحد».

وقال: «كما أعلنتُ سابقاً قبل نحو عام، ولاحقاً عبر بيان رسمي أنَّ المؤسسة العسكرية هي مع أيِّ قرار تتخذه السلطة السياسية في موضوع الترسيم، وبالتالي فنحن غير معنيّين بأي تحليلات إعلامية أو مواقف تصدر بهذا الشأن وتزجّ اسم المؤسسة، زاعمةً أنها أجواء القيادة».

ومعلوم أن«حزب الله» كان رفع «بطاقة صفراء» بوجه المُمْسكين بملف الترسيم وبينهم عون بعد تَقَدُّمه صفّ التراجع الرسمي عن اعتماد الخط 29 كحدود للمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان (وفق إحداثيات كان قدّمها الجيش وتوسّع المنطقة المتنازع عليها مع اسرائيل بنحو 1400 كيلومتر مربع) والعودة إلى الخط 23 (الموثق مع الامم المتحدة) الذي يسعى هوكشتاين إلى التوصل لتسوية تحت «أعماقه» انطلاقاً من انحناءات أو تعرجات توزّع حقولاً بعضها معروف (مثل قانا للبنان ولو غير مكتشَف) وبعضها الآخر «مخفيّ» (لاسرائيل).

هاجم تصويت بيروت مع قرار إدانة الاجتياح الروسي

نصرالله: على لبنان القول لأميركا «لسنا عبيداً عندكم» وبيان الخارجية حول أوكرانيا كُتب في السفارة

| بيروت -«الراي»|

هاجم الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصرالله، موقف لبنان الرسمي الذي صوّت مع قرار إدانة الاجتياح الروسي لأوكرانيا، معتبراً «ان مصلحة لبنان كانت بالامتناع»، ومعلناً «المطلوب أن يقول لبنان للأميركي لسنا عبيداً عندكم».

وقال نصرالله إن من «المؤسف أن البيان الرسمي اللبناني الذي صدر باسم وزارة الخارجية ذهب إلى السفارة الأميركية والسفارة عدلت عليه ما يعني أن هذا البيان مكتوب من السفارة الأميركية فهل هذه هي السيادة»؟ معتبراً «ان الخضوع للإملاءات الأميركية لن ينقذ لبنان بل سيزيد من مآسيه ومصائبه»، ومضيفاً«لا نطلب من المسؤولين اللبنانيين إعلان الحرب على أميركا، ولكن بالحد الأدنى نطلب عدم الخضوع لإملاءاتها واتخاذ القرار الذي يخدم البلد وشعبه، ونطلب الحدّ الأدنى من السيادة والوطنية».

وأكد «اننا كحزبٍ لسنا مع النأي بالنفس، وعندما اتخذت الدولة اللبنانية موقفها مع الأميركيين، لماذا سكت دعاة الحياد والنأي بالنفس، صمتُ القبور»، معتبراً أن «هذه التجربة تؤكد أن كل ما نسمعه عن الحياد والنأي بالنفس هو حجّة وذريعة للتهرّب من مسؤولياتٍ قومية، وهذه المسؤوليات أخلاقية ووطنية وقانونية وقومية… وللهروب منها اخترعوا الحياد والنأي بالنفس».

وهاجَمَ الأميركيين «الذين يعدونكم بوعود كاذبة»، سائلاً «هل تعلمون أيها اللبنانيون والشعب اللبناني أنه حتى هذه اللحظة لم تقدّم الخارجية الأميركية مستنداً خطياً للأردن ومصر بحمايتهما من عقوبات قانون قيصر إذا أدخلوا الغاز من سورية إلى لبنان؟ أين هذا السراب والأوهام»؟ مضيفاً «كل ما يقوله الأميركي كذب وخداع».

وأعلن أنّه «منذ سنة ونصف عندما تحدثنا عن الاتجاه شرقاً دخلت شركة روسية لها علاقة بالنفط بمفاوضاتٍ مع الحكومة اللبنانية وعرضت تقديم النفط الخام وإنشاء مصفاة من دون مقابل مالي ومن دون ضمانات وتأمين كل حاجة لبنان من المشتقات النفطية».

وقال إن «الشركة الروسية عرضت البيع بالليرة اللبنانية لا الدولار، على نحو يجعل لبنان مصدّراً للمشتقات النفطية، وعلى أن تصبح المصفاة ملكاً للبنان بعد عشرين عاماً، ولكن لا جواب حتى اليوم».

وإذ طالب المسؤولين اللبنانيين «باتخاذ قرار في شأن العرض النفطي الروسي وقبوله مع عودة طوابير الذل أمام محطات الوقود»، أكّد أنّه «لو كان حزب الله يهيمن على قرار الدولة اللبنانية، لكان سرى العرض الروسي وتحوّل لبنان دولة مصدّرة للمشتقات النفطية. والسبب الأساس برفض العرض الروسي هو عوكر (حيث مقر السفارة الأميركية). وبهذه العقلية لا يمكن إنقاذ لبنان».

واكد نصرالله أن «هناك شواهد يومية في العالم على أن الثقة بالأميركيين غباء وحماقة وجهل، ورأينا جميعاً كيف خرجت الولايات المتحدة من أفغانستان وتخلّت عمّن وثق بها هناك»، لافتاً الى ان «أميركا، وبريطانيا معها، ساقت أوكرانيا ودفعت بها إلى فم التنين وفق حسابٍ دقيق، وكان المخطط الزجّ بها وتعطيل أي اتفاق مع روسيا، وواشنطن تؤكد يومياً أنها لن ترسل طائرات وجنوداً إلى أوكرانيا، رغم أنها دفعتها إلى الحرب».

وأوضح أنه «لو قُدّر الدخول إلى نفوس المسؤولين في أوكرانيا لوجدنا قمة الشعور بالخيبة… وهذا درسٌ وشاهد جديد».