هل تتحوّل أوكرانيا فقّاعة للقيصر؟

ينفتح الباب الفخم العالي ويدخل القيصر بخطوات نصف متناغمة تقريباً، ويتقدّم وسط صفّين من الحضور يقفان يميناً ويساراً، وعلامات الإعجاب المفروض للضرورة، ترتسم على وجوه الجميع الذين يأخذون بالتصفيق، ويمضي بوتين الى المنصّة الفخمة بعيداً ليخاطب الواقفين وكأنه إله هبط من التاريخ الامبراطوري الروسي العريق.

كم مرة شاهد العالم هذا العرض في الأيام الأخيرة؟ مراراً طبعاً وخصوصاً منذ بداية عملية الغزو التي بدأها الجيش الروسي في ٢٤ الشهر الماضي أي قبل شهر تماماً، والتي لم تكن على ما يبدو عند حسابات القيصر شخصياً، الذي يملك القرار وحيداً في النهاية، ويخشى معاونوه في أجهزة الاستخبارات إطلاعه إلّا على ما يرتاح الى سماعه، ولهذا كانت سلسلة الإقالات والاعتقالات التي طاولت كبار المسؤولين في الاستخبارات وجنرالات العمليات العسكرية بعد عشرة أيام من بداية الغزو.

خبراء وكالات الاستخبارات الغربية يجمعون على أن بوتين يعيش في فقّاعة من صنعه، وسيكون دائماً من الصعوبة بمكان، معرفة طريقة تفكيره لتلافي الوقوع في صدام مع دولة #روسيا، وهكذا لم يكن غريباً عندما ذهل قائد الجيش سيرغي شويغر والمتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف، عندما طلب بوتين منهما وضع ترسانة روسيا النووية في حال تأهّب، ثمّ بدأ الكرملين بعد أيّام محاولات السعي للخروج من هذا التهديد المتهوّر وغير العاقل قطعاً.

اليوم يمر شهر بالكامل على بدء عملية الغزو التي سبقتها تغطيات جوّية للحشود الروسية الهائلة على حدود #أوكرانيا، ورتل الدبّابات الممتدّ على مسافة ستين كيلومتراً، بما أوحى في ذلك الحين أن بوتين يبعث برسالة معناها أنه ذاهب في نزهة عسكرية لمدّة خمسة أيام وقد سمّاها “عملية محدّدة”، لكننا لا نزال نسمع أن الجيش الروسي منذ أسابيع على بعد ٢٥ كيلومتراً من كييف، فيما من الواضح أن الوحشية المطلقة في القصف الجوي والصاروخي والمدفعي الذي سوّى مدينة ماريوبول بالأرض يستطيع تدمير غيرها كخاركيف وحتى كييف في نهاية الأمر، لكن الأمور لم ولن تكون نزهة قطعاً، عندما يعلن الكرملين أن لديه ٥٠٠ أسير أوكراني مستعدّ لمبادلتهم بجنود روس، وأن حصيلة قتلاه ٤٩٨ جندياً، ولكن بعد أن تكون صحيفة “كوسومولسكايا برافدا” الموالية للكرملين قد نشرت حصيلة للجنود الروس القتلى في أوكرانيا نقلاً عن وزارة الدفاع وقالت إنها تبلغ ٩٨٦١ قتيلاً، ثمّ تضطر الى سحب الخبر بعد يومين!

يجب أن لا يغيب عن المراقب أنه بعد بدء الحرب في ٢٤ الشهر الماضي ساد صمت مثير عند المسؤولين الروس، وكأنهم كانوا ينتظرون إعلان انتصار سريع لقوّاتهم، لكنهم منذ ثلاثة أسابيع لا ينامون الليل ليواصلوا التصريح والرد على الاتهامات التي تنهال عليهم من الدول الغربية، مع سيل من العقوبات الاقتصادية الخانقة تماماً، ومع وصول أخبار من داخل روسيا عن موجة متزايدة من معارضي الحرب بينهم إعلاميون وفنّانون، وحتى الممثّل الخاصّ لبوتين في العلاقات الدولية أناتولي شوبيس تركوا مناصبهم وبعضهم غادر روسيا احتجاجاً على الحرب، والغريب العجيب أن هذا دعا بوتين الى وصفهم بالحثالة والخونة وإلى تطهير روسيا منهم، واصفاً إيّاهم بأنّهم مثل الذبابة التي دخلت الفم عن طريق الخطأ ويجب بصقهم، وذلك في استرجاع لقول #فلاديمير بوتين “إن الحزب يقوى بتطهير نفسه”.

في أيّ حال، رتّب بوتين أربع عمليات لمحاولة اغتيال فولوديمير زيلينسكي باءت بالفشل، وجرت حتى الآن خمس جلسات من المفاوضات بين الجانبين، في وقت يصرّ فيه زيلينسكي على لقاء شخصي مع بوتين، ولم تصل الى نتيجة رغم أن أوكرانيا كرّرت أخيراً أنها لن تحصل حالياً على عضوية حلف شمال الأطلسي في رسالة تطمين غير مباشرة الى موسكو … والورشة الروسية لتدمير المدن الأوكرانية قد لا تعني الانتصار في النهاية!

 

راجح خوري – النهار