نتائج الانتخابات بحسابات ديبلوماسية

تخشى مصادر ديبلوماسية ان تكون زيارة الرئيس ميشال عون الى الفاتيكان اضرت اكثر مما افادت في تظهير مواقفه فردية او شخصية بعيدا من تمثيل سائر اللبنانيين ولا سيما المسيحيين كما في تظهير ضعف وضع تياره من خلال حاجته الى رافعة ” حزب الله” في مقابل الرافعة التي شكلها له هو في الفاتيكان ب” شرعنة ” سلاحه . وليست هذه المصادر اكيدة من ان كل ما رافق هذه الزيارة وصولا الى التطورات القضائية على يد قضاة محسوبين على العهد هي خبط عشواء او نتيجة خطة مدروسة وذلك قياسا على انعكاسات لن تكون ايجابية لمصلحة تياره على هذه المواقف لا عربيا ولا دوليا ولا حتى لبنانيا. وذلك فيما ان الادعاء على رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع في احداث الطيونة قد يخدم الاخير انتخابيا ويقويه لا سيما في ضوء الموقف الذي اصدره تيار المستقبل وما يثيره من احتمالات ، تسوء اوضاع اللبنانيين اجتماعيا وماليا واقتصاديا فيما يجهد العهد لنفي مسؤولية الانهيار عنه وعن تياره وعجزه عن تحصيل ما يريده قبل اشهر قليلة من انتهاء ولاية عون . ويقول هؤلاء ان ما فاقم الامور ان قانون الانتخاب الذي اعتبره العهد انجازا له في تحصيل حقوق المسيحيين وانتخاب نوابهم من المسيحيين باتت ترجمته حاجة نواب التيار الى الرافعة الشيعية القوية لاعادة تشكيل الكتلة النيابية العونية .

ولا ينظر ديبلوماسيون اجانب في بيروت الى الانتخابات النيابية بمعزل عن المرحلة المقبلة على رغم ان الوضع متحرك في المنطقة ويترك انعكاساته على لبنان . ولذلك يتوقع هؤلاء ان تأتي بمفاجآت غير محسوبة وغير متوقعة على غير حسابات الافرقاء السياسيين ومراكز الاستطلاع وذلك على خلفية حسابات يجرونها بانفسهم بعيدا من التأثيرات الاعلامية او البروباغندا الحزبية من هنا او من هناك .

احدى ابرز المفاجآت المتوقعة لدى هؤلاء ستكون تراجع نسبة الفائزين من تنظيمات المجتمع المدني باعتبار ان هذه النسبة كانت تقدر قبل اشهر قليلة بما بين عشرة وخمسة عشر نائبا في المجلس النيابي المقبل لتستقر راهنا قبل شهرين من موعد الانتخابات بنصف هذا العدد المتوقع في احسن الاحوال . وهو ما سيشكل ضربة على مستويين على الاقل . احدهما ان تنظيمات المجتمع المدني لم تستطع النجاح في تنظيم نفسها من اجل تمثيل الانتفاضة و التعبير عنها بقوة في البرلمان المقبل ما سيزيد من الاحباط ازاءها . والمستوى الاخر هو احباط الثقة بها من الخارج ازاء التعهدات التي التزمت بها لبعثات غربية شجعتها ما بعد انطلاق الانتفاضة في ١٧ تشرين الاول ٢٠١٩ من قدرتها على تنظيم نفسها وترجمة تطلعات الناس. يخشى ان يؤدي ذلك الى احباط من الخارج اكان من العواصم التي تلقت صدمات سابقة من فشل الثورة كما من الجمعيات والتنظيمات التي دعمت مجموعات المجتمع المدني فيما ان فشلهم سيكون كبيرا جدا وله ارتدادات في المرحلة المقبلة لمصلحة اهل السلطة وافرقائها ازاء استعادتهم موقعهم بعدما كانوا فقدوا الثقة بهم من الخارج ما سيعيد اهل السلطة المحاور شبه الوحيد وليس الشعب او ممثلي المجتمع المدني من بينهم والذين سيصعب استقبالهم في السفارات الغربية في شكل اساسي والرهان عليهم .

المفارقة الثانية المتوقعًة هي فوز نواب كانوا من كتلة المستقبل النيابية في المجلس الحالي بعدد لا بأس به وان كان لا يضاهي عدد كتلة نواب المستقبل راهنا. وهي قد تكون مفاجأة كبيرة على خلفية تعليق الرئيس سعد الحريري عمله السياسي وكذلك الامر بالنسبة الى تياره فيكون الامر معبرا بقوة عن الزخم الموجود الداعم للتيار لا سيما لدى الطائفة السنية على رغم التوقعات بان النسبة الاقل من الاقتراع ستسجل لدى الطائفة السنية بما يساهم في تخفيض معدل الاقتراع في لبنان الى ما يقارب ٣٠ او ٣١ في المئة مع نسبة لدى الطائفة الشيعية تصل الى ٤٠ في المئة وكذلك لدى المسيحيين . ولكن الظاهرة لدى الطائفة السنية تتمثل في امرين مهمين : الاول ان احدا لم يعرف ان يحل مكان سعد الحريري والامر الثاني ان هناك ظاهرة اعتدال لدى الطائفة لا يستطيع المرشحون او النواب السنة لاحقا تجاوزها اذ عمق تعليق الحريري عمله السياسي من الاعتدال داخل الطائفة بدليل عدم توقع فوز الجماعة الاسلامية في بيروت سوى بمقعد واحد لعماد الحوت . والعودة المحتملة لسفيري المملكة السعودية والكويت الى بيروت قد تكون ديناميتها اساسية من اجل اعادة نفح تفاؤل لدى ابناء الطائفة السنية قبيل الانتخابات في ظل الحاجة الى اعطاء زخم للمشاركة وعدم توفير فرصة للخصوم من اجل كسب المقاعد .

المفاجأة الثالثة التي يتوقع تسجيلها تتصل بعدم تسجيل افرقاء مسيحيين النسب التي يطمحون اليها . فهناك تراجع ملموس لدى التيار العوني علما ان ” حزب الله” جاهر بتشكيله رافعة لحلفائه في كسروان وجبيل وكل المناطق ويعتقد ان الحزب سيضع ثقله من اجل عدم تراجع حليفه المسيحي امام خصومه على الساحة المسيحية لاعتبارات كثيرة تتعلق بالغطاء الذي يستمر في الحاجة اليه . اما ما سيكون مثيرا فهو معرفة رد الفعل على اعادة احداث عين الرمانة الى الواجهة من باب الادعاء على رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع فيما يعتبر كثر ان هذا الامر يفيده نتيجة التسييس الواضح للمسألة . وذلك في حين لم يكن الديبلوماسيون المعنيون يجزمون قبل ذلك بان حزب “القوات اللبنانية” سيحقق النتائج الموازية لحساباته الانتخابية المرتفعة . وهو ما يبقي باب المفاجات مفتوحا للداخل والخارج في هذه الحال. وفي الحسابات الديبلوماسية ايضا ان الحزب التقدمي الاشتراكي سيعيد تأكيد حصته ولن تنقص ان لم تزيد .

اقل العناصر مفاجأة في الانتخابات سيكون انتزاع ” حزب الله” حصته وفوزه ببضعة مقاعد اضافية من الطائفة السنية انما في ظل اقتناع بان المجلس سيكون مشرذما الى حد كبير في الجزء الكبير من ولايته نظرا الى غياب وجود حكومة فاعلة في موازاة الفراغ الطويل المتوقع في الرئاسة الاولى . اذ ان هذا المجلس الذي سينتخب الرئيس الجديد للجمهورية ولو بعد حين وليس في موعده لن يكون اكثرية متضامنة اي لن يكون متاحا للحزب تأمين اجماع نيابي على اي مرشح يختاره فيما ان انتخاب الرئيس لا يحصل عملانيا عبر تعداد النواب بمقدار ما يحصل بالتوافقات خارجه حتى مع القوى غير الممثلة في المجلس . وذلك فيما ان الاكثرية التي سيفوز بها الحزب لن تكون مهمة بالمقدار الذي يتم التعويل عليه لان لا قدرة لديه على حسم اي مسألة تكتسب اهمية قصوى بالنسبة الى الحزب . اذ لا قدرة للحزب على انتشال لبنان ولا هو المرجعية المؤهلة لذلك .

 

روزانا بومنصف – النهار