منازلة سيادية في “المعركتين”

غالباً ما يقلل المعيار الانتخابي أخذ الخطاب السياسي للقوى المنخرطة في الانتخابات بجدّية تضاهي تلك التي تُعتمد في ظروف غير انتخابية، باعتبار أن طبيعة الاستحقاقات الانتخابية تملي ارتفاع الضرب على العصب الشعبي وشدّه واستنفاره. وعلى رغم ذلك فإن تصاعد الاحتدام “الدعائي” بين التحالف السلطوي الحالي المتمثل بالعهد وتيّاره و”حزب الله” من جهة وبعض خصومه من جهة أخرى، يفرض التعامل معه بمعيار أبعد من الحسابات الانتخابية خصوصاً حين يثبت أن الفريق “الممانع” يبني حسابات التمديد البعيدة المدى لهيمنته على مجمل الوضع الداخلي أي الى “ما بعد بعد” نهاية عهد الرئيس ميشال عون.

لذا ليس غريباً أن نرى العهد في عز إثبات ما لا يحتاج الى إثبات من مسؤوليته الساحقة عن الانهيار التاريخي الذي أغرق فيه لبنان، يذهب في أوهام كارثية للتمديد المباشر له أو المبطن لصهره الى حدود تسخير زيارته للفاتيكان في محاولات إضافية للتغطية على “حزب الله” وتسويغ تحالفه معه لعله يحصّل مكاسب اللحظة الأخيرة قبل أفول العهد. وليس غريباً أو أغرب أن يمضي “حزب الله” في خطاب متوتر تحريضي على غير عادته دوماً بمثل ما يرتكب الآن من أخطاء فادحة ترتدّ عليه حين يفتح ملفّات ذات طبيعة أمنية تدينه بالكامل.

هاتان العيّنتان في التحرّكات والخطب المتصلة بالجناحين النافذين في السلطة الحاكمة الحالية تسلّطان الأضواء واقعياً على الجانب الخصم وما يعدّه لمواجهة “سيناريو الهيمنة” الجاري الإعداد له لدى الفريق الممانع برمّته، إن انتخابياً وإن سياسياً داخلياً وخارجياً على خلفية معركة مزدوجة نيابية – رئاسية مصيرية بكل المعايير. والحال أنه مع كل الخلل المثير للمخاوف من الإمكانات القائمة أمام الفريق المرتبط بإيران والنظام السوري في الاستحقاق النيابي فإن ذلك يضاعف أهمية اعتماد المعيار السيادي بأقصى قوة لدى القوى المناهضة كمثل ما تعتمده خصوصاً “القوات اللبنانية” كقاطرة أساسية راهناً في المعركة الانتخابية ومثلها أحزاب وشخصيات تنخرط أساساً في الصراع السياسي على قاعدة ثابتة هي القاعدة السيادية.

لسنا نغرق هنا في “حسابات الأرض” الانتخابية وسط ظروف شديدة الغموض والتعقيد، وربما لم يسبق لانتخابات أن شهدت مثلها لجهة عدم قدرة أيّ طرف على الجزم باتجاهات رأي عامّ يرزح تحت أخطر وأسوأ كارثة تضربه. ولكن هذه الظروف لا تبرّر إطلاقاً أيّ إهمال للمعيار السيادي في المعركة خصوصاً أن النسبة الساحقة من المسبّبات الموضوعية للانهيار الكارثي تتصل بواقع هيمنة مخيفة داخلية – إقليمية يمثلها تحالف السلطويين الحاليين المالكين لأكثرية نيابية مطواعة.

بذلك يتعيّن أن تمضي مقارعة القوى السيادية للخطاب الدعائي المعتمد من “طرفي العهد”، أي الفريق الرئاسي وتياره و”حزب الله”، في خط بياني تصاعدي على قاعدة وحدة مبدئية بين السياديين ما دامت وحدتهم الانتخابية متعذرة أو شبه مستحيلة. وينبغي الإقرار هنا بأن ثمة الكثير ممّا يتطلب ذلك الآن في خطاب “القوات اللبنانية” على نحو خاصّ وكذلك الأحزاب السيادية والشخصيات ذات الهوى “المستقبلي” والـ14 آذاري عموماً، وهو أمر لا ينبغي حجبه إطلاقاً لأن السلاح الإعلامي والدعائي بدأ يشكّل واقعياً معظم ساحة المنازلة السياسية والانتخابية بصرف النظر عن التفاصيل والحزبيات والجزئيات التي ترتبط بالتحالفات واللوائح ومشتقات المنازلة.

يمضي الصراع الداخلي تحت جنح الاستعدادات الانتخابية الى “المرحلة القاتلة” إن تحققت سيناريوات الهيمنة الكاملة للمحور الممانع، ما لم “يصطدم” بالحدّ الأدنى من تعويم الممانعة السيادية!

 

نبيل بومنصف – النهار