معزوفة موسى.. خدمة أمينة للحزب

بقلم كمال نحاس

بأسلوب يمتزج بالمواقف المعلّبة والتكرار الممنهج، يواصل الصحافي عبد السلام موسى سلسلته المدموغة بالاحقاد في شيطنة حزب القوات اللبنانية، مُستفيداً من محاكاة القول الشهير “بقاء الباطل في غفلة الحق عنه”، وذلك مذ أعلن رئيس “المستقبل” سعد الحريري تعليق مشاركته في الحياة السياسية.

يعرف موسى جيداً لماذا علّق الرئيس الحريري مشاركته في الحياة السياسية، ويعرف أكثر أنّ ما أعلنه الأخير عن “تزايد النفوذ الايراني” صوّب فيه السّهام وبالمباشر على حزب الله محمّلاً إيّاه الاوضاع التي وصلت إليها البلاد.

يعرف موسى، أنّ كلام الحريري عن أنّ التسويات التي أتت على حسابه وعدّدها من ٧ أيار واتفاق الدوحة وزيارة دمشق لم يتسبّب بها سمير جعجع بل جابهها منفرداً.

يعرف موسى، أنّ انتخابات رئاسة الجمهورية، قد اشترك بها جعجع من نافذة النتيجة لا من باب الفعل، حيث خطا الحريري بنفسه، قبل الجميع، مسلك اختيار رئيس من قوى الثامن من آذار على قاعدة “الرئاسة الاولى لكم والثانية لنا”، ولا فارق هنا بين فرنجية وعون في ميزان الضاحية الجنوبية من الولاء الى الالتزام والقيود والاحداث تتكلّم، ذنب الحريري أنّه ما ارتضى ربط نزاع إدارة الدولة على الأسس السيادية التي خطّها جعجع في “اتفاق معراب”، فانغمس في لعبة سلطوية مع حلفاء “الحزب” دون ضوابط.

يعرف موسى، أنّ قانون الانتخابات كان مطلباً وطنياً محقّاً لتثبيت الشراكة العادلة بعد سنين من الاجحاف الذي فرضه الاحتلال السوري بقوانين جائرة مكّنت من هيمنة الكثيرين على التمثيل المسيحي، ورغم ذلك لم تتردّد بكركي عن الوقوف إلى جانب المكوّنات الوطنية كافة وعلى رأسهم السّنّة في التراجع عن قانون اللقاء الارثوذكسي والدّفع لاقرار قانون يحظى بإجماع وطني، حيث أقرّ القانون النافذ وأنتج أكثرية نيابية لمحور حزب الله ليس بسبب نظامه وتقسيماته بل بفعل التحالفات التي أبرمها المستقبل والكتائب والعديد من الشخصيات الآذارية من ميشال معوض وفارس سعيد وغيرهما مع حلفاء “الحزب” في بيروت الاولى وزحلة وجبيل وكسروان والشمال الثالثة، وحينها بقي جعجع وحيداً يُصارع التحالفات الهجينة التي قدّمت عشرة نوّاب لاكثرية قاسم سليماني.

يعرف موسى، أنّ كلامه عن فقدان جعجع لرافعة الحريري الانتخابية ليس سوى ضرباً من الذاكرة المختلّة، فلا جعجع استفاد من “الصوت التفضيلي” لـ”صديقه” ولا لوائح “القوات” حصدت تأييداً من قاعدة المستقبل في انتخابات ٢٠١٨، وهنا ما عليه سوى الوقوف خلف باب ميرنا الشالوحي حيث اعتاد حراسة “تسوية نادر جبران” ليسمع ندب رفاق الامس على أطلال اليوم.

أمّا بعد، يعرف موسى، أنّ المستفيد الأكبر من مقاطعة السّنة للانتخابات النيابية هو حزب الله الذي يعدّ العدّة للاستيلاء على مقاعد “المستقبل”، بينما جعجع الذي دعا جمهور الازرق للمشاركة إنطلق من هاجس وحيد وهو عدم سقوط تمثيلهم رهينة الاحتلال الايراني كما حصل مع التمثيل المسيحي إبّان الاحتلال السوري أوائل التسعينات.

ويعرف موسى، أنّ حملات حزب الله التي تركّزت ضد “القوات” وضد الرئيس السنيورة وضد الدكتور علّوش وضد اللواء ريفي وضد دار الفتوى وضد كلّ سنّي تجرأ على سلوك درب المواجهة السياسية مع السلاح اللاشرعي، ليست خوفاً على تمثيل السّنّة ولا على حضور الحريري ولا على مشاركة “المستقبل”، بل فعلاً مباشراً لردم كلّ ما سبق في فوّهة النسيان، وأنّه تحوّل في هذه الحملات حجر زاوية تُبنى على كتاباته كلّ ما تشتهيه الضاحية.

الاهتراء السياسي هو العبث بمجريات التاريخ الذي يُمارسه موسى عن سابق تصوّر وتصميم، واعتباره أنّ خطوة “القوات” التي كسرت تطويق السراي الحكومي في ٧ أيار هي “استغلال”، وأنّ تلقّي جعجع لرصاصات الغدر في ٤ نيسان ٢٠١٢ رافضاً الرضوخ لأعداء ١٤ آذار هو “تقليد سياسي”، وأنّ رفض معراب لتبنّي الخطاب الطائفي للتيار الوطني الحر ضد “الحريرية السياسية” وتشديدها على التحالف السيادي معه هو “تسخير مسيحي ضد الحريري”، وأنّ ترفّع الحكيم عن تمثيله نيابياً ووزارياً بما يُلائم حجم “القوّات” مرّات ومرّات حفاظاً على وحدة ١٤ آذار هو “نيل من السنة”.

أن يتّهم موسى “القوات” باستخدام السنيورة “أبشع استخدام” هو دون أدنى شك، كلام موجّه أبعد من جعجع وأبعد من السنيورة ويطال سماحة مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان، فمَن غير حزب الله ومحور طهران دمشق يستفيد من المسّ بدار الفتوى التي يعمل السنيورة وعلوش وريفي وفق توجيهاتها؟

المبايعة الوحيدة التي انساق لها جعجع هي مبايعة الدولة والانسان الحر فيها وهو لاجل ذلك قدّم حرّية جسده يوم بايع غيره حرّية فكره وقراره وكرامته للمحتلّ ودخل السلطة بأمر الطاعة. لا يريد سمير جعجع من الجمهور السني سوى ما يريده من الجمهور المسيحي والوطني عموماً، سوى ما يريده من نفسه وحتى من خصومه وهو الوقوف بحزمٍ بوجه الهيمنة الايرانية وشتّى هيمنة على قرار الدولة.

“جوع موسى” للشهرة ولتسليف مرآته تصفيقاً فارغاً من وليّ مباشر سعى لوراثة سيّده على حين مقاطعة، لا يُغيّر من ثبات معراب كرأس حربة بوجه المشروع الايراني ولا يجعل من الذي امتهن التمايل على أنغام التسوية السرية بين مشغّله الطامح للنيابة ومَن وصف السّنّة بالدواعش أن يتحوّل إلى حريص على طائفته التي شبعت من أبواق التزلّف.

ينزعج موسى ومَن شابهه من ثبات القوات”، لأنّه يوم تطلّبت مصلحة البعض الصّمت عن صفقة البواخر، على سبيل المثال، لم تسكت “القوات” حتى عن تواطؤ حلفائها، ويوم تلاقت المصالح الدولية على السّير بحكومة تُبقي شرعنة سلاح حزب الله مقابل حسابات إقليمية، رفضت “القوات” ترشيح حتى حليفها، ويوم استنفر البعض لعزل معراب حكومياً ونيابياً، امتنعت “القوات” عن شيطنة صمت “حليفها” وانغماسه بلعبة التطويق.

يعلم موسى جيداً، ولكنه ينكر طبعاً، أن “وباء” النكران وتقليب الحقائق، يُلازم ضعفاء النّفوس الذين يهابون المواجهة ويستبدلونها برشق مَن تجرأ عليها، أمّا “تسخيف” جريمة تسليم البلد إلى إيران، فتُعيد الاضاءة على واقعتين، بدأت يوم تمّ الالتفاف على الطائف بتسليم البلاد للسوريين وانتهت عند المسارعة لموازاة المُعتدي بالمُعتدى عليه لدى محاولة غزو عين الرمانة.

أمّا “مهزلة موسى” فتكمن في اعتباره أنّ دفاع أهالي عين الرمانة عن منطقتهم هو “حرب أهلية” سعت لها “القوات”، وكأنّه يُجرّم مَن دافع عن حرمة بيته في بيروت والجبل في ٧ أيار؛ والأسوأ من ذلك هو عرضه تصريح جعجع بشكل مغاير حين تحدّث الاخير عن ميني ٧ أيار حاول القيام بها حزب الله وليس العكس.

كلّ ذلك ليس سوى خدمة أمينة يُريدها موسى لارضاء سقطات رؤيويّة تصبّ في خدمة حزب الله.

التاريخ سيحكم حتماً، أن ما فعله سمير جعجع لم يفعله غيره من ساسة لبنان، ففي زمن الاحتلال الايراني كما السوري، رفض الرضوخ لقاء المناصب، لم يهرب، لم ينكفىء والاهم لم يترك ناسه.

يعرف موسى وربما لا يعرف، لكن بعد ١٥ أيار.. كما بعد ألف عام، لا تتغيّر الحقيقة مهما قذفها هواة الاستعراض الاعلامي وتقديم أوراق الاعتماد “فالباطل لا يصير حقاً بمرور الزمن”، والسّلام يا عبد “السلام”.