معركة صيدا الانتخابية… “حماية القرار الوطني المستقل من الثنائي”

شهد الانتخابات النيابية في مدينة صيدا، هذه المرة لا مثيل له على الإطلاق، ويكاد لا يشبه أيّ مشهد من الانتخابات النيابية المقرّرة في 15 أيار الجاري في كل الدوائر الانتخابية في لبنان، والسبب الرئيسي في ذلك المواقف والقرارات الطارئة والمستجدة وتبدل الخيارات لدى الطرفين الأبرز والأقوى على كل المستويات السياسية والشعبية والاجتماعية على الساحة الصيداوية، ونعني بهما بالدرجة الأولى تيار المستقبل والتنظيم الشعبي الناصري وتيّار المرحوم الدكتور نزيه البزري والجماعة الإسلامية. وتوافق هذه القوى مباشرة أو غير مباشرة على خوض المعركة الانتخابية بمعزل عن أي تحالف مع الثنائي الشيعي (حركة أمل وحزب الله) انطلاقاً من حماية القرار الوطني المستقل للمدينة من الثنائي. الطرف الأول تقوده وتتزعّمه من دون منازع النائبة بهيّة الحريري التي التزمت وتضامنت مع القرار الشهير الذي اتخذه رئيس الحكومة السابق رئيس تيّار المستقبل سعد الحريري بالعزوف عن الترشّح للانتخابات النيابية المقبلة وعدم المشاركة فيها، وشمل بقراره أعضاء كتلة المستقبل النيابية وأيّ شخص منتسب للتيار، ومن دون أدنى شك أحدث قرار النائبة الحريري عدم المشاركة في الانتخابات ارتباكاً لدى جمهور المستقبل والقوى الفاعلة على الساحة الصيداوية ومنطقتها وترك فراغاً كبيراً ظنّ بعض الأشخاص المحسوبين على التيار أو المقربين من الحريري وغالبيتهم من المنتفعين من صعود الحريرية السياسية أيام الرئيس الشهيد رفيق الحريري أن بإمكانهم سد الفراغ الناجم عن غياب الحريري، وبعضهم حاول أخذ الرضى وإقناع الحريري بالترشح بحجة أن لا تذهب أصوات جمهور المستقبل الى الخصوم والمنافسين، غير أنّ موقف النائبة بهيّة الحريري كان صارماً بهذا الشأن، وهو استناداً الى مصادر مقربة وعلى صلة دائمة مع النائبة الحريري “تأكيد الالتزام بموقف الرئيس سعد الحريري بعدم الترشح أو الترشيح أو دعم أيّ مرشح علناً أو سرّاً، وهي أي النائبة الحريري غير معنيّة بأيّ اسم من أسماء المرشحين وكل من يترشح فقط باسمه وبصفته الشخصية وعلى مسؤوليته وبماكينته الخاصة ولا يترتب على الكتلة الناخبة للحريرية في صيدا أيّ التزام مسبق أو لاحق”.

يوسف النقيب: ترشّحي لحماية الحريرية السياسية وقطع الطريق على الطارئين

وعلى الرغم من موقف النائبة بهيّة الحريري بعدم المشاركة أو دعم أيّ مرشّح محسوب على التيّار حتى الآن، تقدّم المحامي حسن شمس الدين بالترشح مع رئيس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في صيدا المهندس يوسف النقيب، عن المقعد السني في صيدا، والنقيب كان على علاقة وثيقة مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وغالباً كان يتولى الماكينة الانتخابية لتيار المستقبل في صيدا في كل الاستحقاقات النيابية والبلدية ولديه حيثية اجتماعية وتربوية وخدماتية ليس لدى جمهور المستقبل وحسب بل لدى العديد من العائلات الصيداوية، وقال مقربون منه لـ”النهار” إن ترشحه نابع من حرصه وحرص الأوفياء لنهج ومسيرة الشهيد رفيق الحريري ومسيرة النائبة بهية الحريري، على الحريرية السياسية وحماية جمهور المستقبل وعدم ضياعه وتشتته وقطع الطريق على بعض القوى التي تسعى للهيمنة ومصادرة قرار المدينة المستقل والعبث بنسيجها الوطني.

أسامة سعد والبزري في لائحة مكتملة مع ثلاثة من المستقلين في جزين

الموقف الوطني الجريء الذي اتخذه وتمسّك به رئيس التنظيم الشعبي الناصري النائب أسامة سعد بعد انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول عام 2019 التي أسهم وشارك فيها عن كثب في صيدا، هذا الموقف الذي أكد فيه سعد مراراً “أن كل الازمات الاقتصادية والمالية والمعيشية والصحّية تتحمّل مسؤوليتها وحدها المنظومة الحاكمة من دون أن يستثني أيّ طرف فيها، واعتباره أن الجميع كان مشاركاً أو متواطئاً في سياسة الفساد والمحاصصة الطائفية ونهب المال العام الذي أفقر الدولة والشعب” ومن هنا بدأت مواقف سعد وخياراته السياسية تتبدل وترسّخ لديه مطلب ضرورة إسقاط رموز السلطة والمنظومة الحاكمة وقرار عدم مشاركته بالتحالف في الانتخابات النيابية المقبلة مع كل أطراف السلطة، ولم تنجح كل المحاولات والمساعي التي بذلها ممثلون عن حزب الله ومقربون من الطرفين لثنيه وتراجعه عن موقفه، وقال سعد لـ”النهار” إن التغيير شرعي وبات أمراً ملحّاً وضرورياً بعد تفاقم الأزمات وانسداد الأفق السياسي للمنظومة في معالجة المشكلات المتفاقمة على كل الصعد والتي تتحمّل السلطة كامل المسؤولية عنها بسبب السياسات الخاطئة التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة، وجيل الشباب كان من أكبر المتضررين.

وكشف سعد عن التوصّل الى تشكيل لائحة مكتملة سنعلن عنها في الأيام القليلة المقبلة، وعلمت “النهار” أنها مشكلة على النحو الآتي: أسامة سعد وعبد الرحمن البزري عن المقعدين السنّيين في صيدا، وثلاثة مرشحين مستقلين من جزين هم كميل فريد سرحال وشربل مسعد عن المقعدين المارونيين في جزين والعميد المتقاعد جميل داغر عن المقعد الكاثوليكي في جزين.

واستبعد سعد فكرة أن يترك “حزب الله” لأنصاره خيار الاقتراع لمصلحته لأن الحزب محكوم بدعم اللائحتين المتنافستين في جزين لحليفه التيار الوطني الحر ولائحة النائب إبراهيم عازار المدعومة من الرئيس نبيه بري، موضحاً أن بعض التدخلات لـ”حزب الله” في بعض الأحياء الشعبية في صيدا من خلال إقامة نشاطات واحتفالات وتقديم بعض المساعدات الغذائية ستبوء بالفشل، وأن صيدا ستبقى واحة للحرّية والديموقراطية ولا يعني ذلك أن يأتي أحد ويحاول العبث بهويتها الوطنية أو مصادرة قرارها المستقل.

البزري رفض التحالف مع النائب عازار المدعوم من برّي

وخلافاً لما كان متوقعاً، تبيّن أن الدكتور عبد الرحمن البزري لم يوافق على تحالفه مع النائب إبراهيم عازار المدعوم بقوة من الرئيس نبيه بري، وارتأى البزري خوض المعركة كمرشّح مستقل عن أحزاب السلطة متكئاً على الكتلة الناخبة التي كانت مؤيّدة لوالده المرحوم الدكتور نزيه البزري وعلى تأييد العديد من المؤسسات الأهلية والمجتمع المدني في صيدا ولأن موقفه كان منسجماً مع موقف النائب أسامة سعد، حيث توافقا معاً على خوض المعركة مع مرشحين مستقلين في جزين. ويؤكد البزري أن الانتخابات النيابية محطة للتغيير من أجل بناء دولة ديموقراطية عادلة يشعر فيها المواطن بانتمائه وحرصه على الدولة ومؤسساتها، ويأمل البزري من أبناء المدينة المشاركة في العملية الانتخابية بكثافة من أجل النهوض بمدينتهم والعمل على معالجة المشاكل والقضايا التي تواجه الناس نتيجة انهيار وتردّي الأوضاع الاقتصادية والحياتية، وشدّد البزري على أهمّية الحفاظ على دور صيدا الوطني المنفتح على جميع مكوّناتها السياسية والمذهبية.

الجماعة الإسلامية لم تحسم خيارها بعد

في ما يتعلق بالجماعة الإسلامية، وعلى الرغم من تقدم مسؤولها السياسي الدكتور بسّام حمود بالترشّح عن المقعد السني في صيدا، يبدو حتى الآن أنها لم تحسم خياراتها التحالفية، خصوصاً مع المرشحين في جزين، وتستبعد مصادرها تكرار تجربتها في الانتخابات النيابية السابقة مع التيار الوطني الحر حتى الآن، لأن هذا التحالف السابق أفاد التيار الحر ولم تستفد منه الجماعة بشيء.

يبقى أن المرشح المهندس نبيل الزعتري الذي أعلن ترشحه بإيعاز من عين التينة متحالفاً مع النائب سمير عازار، كان بمثابة مرشح الضرورة للرئيس بري لحاجته الى أصوات كتلة ناخبة في صيدا، تضمن له فوزاً ساحقاً لعازار وربما تأمين حاصل آخر ربما كان لمصلحة الزعتري غير المحسوب على أيّ جهة سياسية أو حزبية، وهذا الأمر الذي يخشى منه أنصار المستقبل والحريرية السياسية في صيدا، ما دفع ببعض أركان وأنصار الحريرية السياسية الى ترشيح المهندس يوسف النقيب.

وتتوقع مصادر محايدة انحصار فوز المرشحين في صيدا بأربعة أسماء: أسامة سعد ويوسف النقيب ولا سيما في حال عدم معارضة النائبة بهية الحريري لترشحه ودعمه قدر الإمكان من خلال ماكينتها الانتخابية وعبد الرحمن البزري وأخيراً نبيل الزعتري.

 

 

أحمد منتش : “النهار”