ماذا في اليوم التالي للانتخابات؟

يلقي الاستنزاف الحاصل لاحتياطي مصرف لبنان والذي يعود في شكل خاص إلى اموال المودعين في السعي إلى المحافظة على استقرار الليرة اللبنانية عند حدود ٢٠ الفا للدولار الواحد من اجل اتاحة المجال امام اهل السلطة لخوض الانتخابات بحد أدني من استفزاز الناس والانهيار النقدي والمالي، السؤال الكبير إلى اين يدفعون البلد ما بعد استنزاف هذا الاحتياطي وإذا كان لديهم خطة لتصفير البلد او ان في جعبتهم ما يمكنهم من تأمين نهوضه. ماذا في اليوم التالي للانتخابات باعتبار ان حكومة الرئيس نجيب ميقاتي تكون مبدئيا قد نجت باتمامها الانتخابات بالحد الممكن من الاستقرار فيما ان الاحتياط الالزامي الذي كان قبل اشهر لا يمس بحسب حاكم المصرف المركزي رياض سلامه قد تراجع بضعة مليارات اضافية بعدما وافق على تمويل هذه المرحلة حتى تعبر الحكومة إلى الانتخابات على الاقل. فيما ان السؤال الاساسي الذي لا يقل اهمية هو هل ان الحكومة التي قيل لدى تأليفها انها تحظى بغطاء خارجي لا تزال تحظى بهذا الغطاء . ما يستدعي السؤال هو تراجع لبنان حكما في سلم الاولويات الخارجية اكثر من السابق على خلفية الحرب الروسية على اوكرانيا التي اربكت اوروبا في شكل خاص والعالم باسره . لن يكون لبنان على اي رادار اوروبي او اميركي في المدى المنظور وحتى فرنسي قياسا إلى الانشغال بالأولويات الأوروبية فضلا عن الانتخابات الرئاسية الفرنسية كذلك. قبل هذه التطورات الاخيرة كانت الشروط الخارجية تحتم ان يقوم اهل السلطة بواجباتهم ويجرون الاصلاحات ويتخذون الخطوات التي يفترض ان يحصلوا على مقابل ازاءها وهذا لم يتغير فيما ان السلطة اللبنانية لم تقم باي اجراء يعتد به . لا بل ان وفد صندوق النقد الدولي الذي يعود في الخامس عشر من الشهر الجاري كان اصطدم في لقاءاته مع المسؤولين بتذرع هؤلاء بان الانتخابات النيابية على الابواب مما يقيد هامش اتخاذ خطوات او قرارات اصلاحية ان على صعيد الكهرباء او الموازنة او أي أمر اخر.

ولكن في جعبة اهل السلطة حتى الان ورقة صندوق النقد الذي يعتقد البعض ان وفده الذي يصل في منتصف هذا الشهر سيبقى حتى نهايته ويرجح على الاثر توقيع اتفاق تمهيدي بين الجانبين إذا اظهر وفد الصندوق اقتناعا بخطة الحكومة من حيث المبدأ. من المتوقع ان تشتري الحكومة او السلطة عموما وقتا اضافيا في حال حصل ذلك علما ان الخطوة الاهم هي هل سيقر مجلس النواب القوانين المطلوبة منه في البرنامج مع صندوق النقد قبل الانتخابات او بعدها . لا يطرح احد في هذا السياق نتائج الانتخابات في حد ذاتها واحتمال ان تعيد اكثرية قوى ٨ اذار اكثريتها ومفاعيل ذلك على استمرار انعدام الثقة بالسلطة ككل وعدم تشجيع الاستثمارات الخارجية وحتى الانفتاح الخارجي من بعض الدول الاساسية لا سيما من دول الخليج العربي. بل جل ما يطرح هو الشق المالي والاقتصادي الذي يخفف اهل السلطة منه باعتبار ان تدخل المصرف المركزي لن يهدر في الاشهر السابقة للانتخابات اكثر من مليار ين او ثلاثة تكون خلالها قد عبرت الانتخابات من دون انهيار كارثي . ولكن هذا الانهيار هو ما بات يخشاه اللبنانيون اكثر على خلفية الاقتناع بان لا خطة فعلية لدى السلطة لما بعد استنزاف الاحتياط في مصرف لبنان لا سيما ان البعض من اركانها لا يزالون يعيشون حال انكار مخيفة ازاء ما وصل اليه البلد ولعلهم يأملون على الطريقة اللبنانية ان الغد قد يحمل اماله معه . وهذا إلى حد ما مقبول لولا ان الجزء الاساسي من الانهيار الحالي لا يعود إلى اسباب داخلية وإلى الحاجة الماسة والملحة إلى اصلاحات جذرية بل إلى اسباب خارجية يمكن ان تصححها تطورات معينة اقليمية او دولية. ولو ان الاحزاب في السلطة بدأت بالاصلاحات راهنا لكانت خسرت الانتخابات حكما علما ان الرأي العام مندهش حول مدى جرأتها وحتى وقاحتها احيانا في الترشح إلى الانتخابات في ضوء ما سببته للبنان من انهيار كارثي على كل المستويات واكثرها كارثية موضوع الكهرباء. ويجب ان يحذر هؤلاء من الانتخابات في حد ذاتها لا سيما في ظل اقتناع بدأ يسري ان ما بعد الانتخابات لن يكون كما قبلها من حيث انفلات الضوابط لانهيار سعر الليرة اللبنانية وتأثير ذلك على كل القطاعات عدا عن الالتزامات الواجب تنفيذها مع صندوق النقد الدولي، وذلك في حال صدق اهل السلطة ولم تتغير احوالها بعد الانتخابات فيما يخشى ان ما يحصل راهنا هو بيع الصندوق كما اللبنانيين وعودا واوهاما يخشى الا تنفذ . اذ ان مجلس النواب الجديد سيستغرق وقتا ليبدأ العمل فيما ان الاحتدام قائم بقوة فيما خص الانتخابات الرئاسية ولا حكومة جديدة محتملة بين الانتخابات النيابية والرئاسية في حال لم يذهب لبنان إلى شغور رئاسي كما في 2014 او إلى ابتكار ازمة كما في 1989 ليبقى رئيس الجمهورية في قصر بعبدا بفتاوى ما من محيطه. وهو امر سيجعل متعذرا تنفيذ القوانين المطلوبة في حال اقرها مجلس النواب في غياب حكومة فاعلة.

هذه المرحلة مقلقة جدا للبنانيين ولو ليست بهذه التفاصيل ضرورة لشعورهم ان البلد يدار على طريقة ” سيري فعين الله ترعاك”. فيسأل البعض في معرض احتجاج الامين العام لـ”حزب الله” السيد نصرالله على رفض عرض روسي لاصلاح الكهرباء على رغم عدم دقته، اين كان الحزب منذ عروض الصندوق الكويتي والعروض الالمانية والفرنسية وهو شريك مزدوج للتيار العوني الممسك بالكهرباء وفريق مؤثر وشريك اساسي في الحكومة ومعطل لها ولم يعطلها مرة من اجل موضوع بهذه الاهمية ولم يضغط مرة كفاية لانهاء هذه المأساة التي دمرت اقتصاد البلد.

حين يتم تعميم ان الانتخابات لن تغير الشيء الكثير، يخشى ان ينسحب ذلك ليس على اعادة تكوين السلطة فحسب بل على ادائها وحال الانكار التي تعيش فيها.

روزانا بومنصف – النهار