ماذا بعد أوكرانيا؟

بعد ضمّه شبه جزيرة القرم عام 2014، قال الرئيس فلاديمير بوتين في مقال طويل نُشر في تموز من العام 2021 ان الروس والأوكرانيين شعب واحد، وان الغرب هو الذي أفسد أوكرانيا وأخرجها من فلك روسيا، من خلال تغيير قسري للهوية، وهو طبعاً الكلام الذي كرره سبع مرات في خطابه الطويل، الذي سبق بداية الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية، مصحوباً بوضع ترسانته النووية في حال تأهب.

الرئيس فولوديمير زيلينسكي لم يبالغ عندما حذّر الدول الغربية من ان احتلال روسيا لأوكرانيا لن يتوقف عند حدوده، قائلاً: “إذا سقطت أوكرانيا سقطتم انتم”، فقد سبق لبوتين ان قدّم الى الدول الغربية قائمة بمطالبه الأمنية، كان أهمها ليس ضمان عدم انضمام أوكرانيا الى حلف “الناتو” أبداً فحسب، بل ان المطلوب ايضاً من التحالف ان يتراجع عن وجوده العسكري في شرق أوروبا ووسطها، بمعنى أنه يطمح للعودة الى الخطوط القديمة، معتبراً ان على الغرب ان يقدم الضمانات لروسيا وعليهم ان يفعلوا ذلك على الفور الآن، متسائلاً: “هل ننشر صواريخ قرب حدود الولايات المتحدة؟ لا لا نفعل، ان الولايات المتحدة هي التي تأتي إلينا بصواريخها وهي واقفة بالفعل على اعتابنا”.

لماذا التذكير بكل هذا؟
فقط لأنه بعد 15 يوماً من بدء الغزو الروسي، الذي يمضي في تدمير أوكرانيا ومحوها من التاريخ، الذي يسبق تاريخ روسيا وفق الوثائق، وهو ما يذكّر به زيلينسكي، يحاول بوتين ان يكتفي مرحلياً بقضمة جديدة. فبعد احتلاله إقليمي لوغانسك ودونيتسك، ها هو يعرض ما قد يصدق او يتوهم ان الأوكرانيين والعالم الغربي سيعتبرونه حلاً وسطاً، عندما يطالب اولاً بالإعتراف بروسية القرم وثانياً باستقلال لوغانسك ودونيتسك وثالثاً بتعديل الدستور الأوكراني على قاعدة الإلتزام بعدم الإنضمام الى كتل دولية، رغم انه من المعروف ان أوكرانيا تطالب منذ أعوام بالإنضمام الى حلف “الناتو” الذي يتمهل في هذا الأمر. وهكذا لم يكن مفاجئاً ان يقول زيلينسكي الثلثاء “ان أوكرانيا لم تعد مهتمة بالإنضمام الى حلف الناتو الذي يخشى المواجهة مع روسيا”، محملاً الدول الغربية مسؤولية مقتل المدنيين، “لأنه (الناتو) لم يطبق حظراً للطيران”، لكن الدول الغربية رفضت الدخول في صراع مع روسيا يمكن ان يفضي الى حرب عالمية ثالثة تتحول كارثة نووية.

وكان بوتين هدد بمواصلة عملياته ونزع سلاح أوكرانيا الذي ألحق بجيشه خسائر لم تكن في حسابه قطعاً، وخصوصاً عندما تقول بريطانيا انه استخدم 95٪؜ من حشوده العسكرية الضخمة التي تجاوز عديدها الـ 250 الف جندي. والمثير هو الحديث عن تجنيده المرتزقة من مقاتلي الشيشان التي سبق له ان دمرها على رؤوس اهلها في آب عام 1999، للقتال في أوكرانيا وسط ذهول الكنيسة الأرثوذكسية طبعاً التي يقول انه يحترمها، والمرتزقة الآخرين، أي مجموعات “فاغنر” التي استعملها في سوريا وليبيا وسيناء، والتي كلّفها اغتيال زيلينسكي، وقد فشلت في محاولاتها الثلاث حتى الآن.

في أي حال، اذا نجحت الولايات المتحدة في إحياء علاقتها مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وأحيت العلاقات النفطية مع ذلك البلد الذي يستطيع انتاج 3,2 ملايين برميل في اليوم اذا أعيد ترميم منابعه المهملة، وإذا تمكنت الدول الأوروبية من الاعتماد على الغاز والنفط في الجزائر وأذربيجان وليبيا، يستطيع حبل العقوبات الغربية ان يضايق اكثر الاقتصاد الروسي، الذي بدأ يئن من اليوم الأول، بعد هبوط متفاقم في قيمة الروبل وارتفاع كبير في قيمة الفوائد، وهو ما دفع بوتين الى اتخاذ قرار “إنتقامي” بتسديد ديون بلاده الى الدول التي تقف ضده في اوكرانيا بالروبل!

 

راجح خوري – النهار