“كابيتال كونترول”: بالون اختبار

سقطت مسودة “الكابيتال كونترول” التي أُسقِطت على حين غرّة فوق رؤوس أعضاء لجنة المال والموازنة النيابية. في الأصل هي لم تكن معدَّة لكي تُقبل، فمضمونها الفضائحي الذي كُشف عنه الاحد الماضي كان يشي بانها أُعِدت لكي تُرفض، فيعود اللعب على تضييع الوقت وترك الازمة المالية المصرفية في حال من الفراغ التشريعي. في المبدأ لا بد من تشريع لادارة الازمة المالية. و”الكابيتال كونترول” حلقة أساسية في التشريع الذي يجب ان يتوسع لكي يشمل مشروعا لاعادة هيكلة القطاع المصرفي، ورفع السرية المصرفية بشكل جزئي او كامل لكل العاملين في الشأن العام او المتعاقدين مع القطاع العام. ويجب تنفيذ التدقيق المالي الجنائي على حسابات المصرف المركزي وسائر مؤسسات الدولة بشكل كامل ومن دون ابطاء او ممانعة من أي جهة. أما مصير الودائع فيجب ان يكون جزءا من الاتفاق النهائي على تقسيم اعباء الخسائر بين الدولة والمصارف والمودعين. وتقسيم الحِمل يُفترض ان يُقرر وفقاً لمسؤولية كل طرف عن الازمة الكارثية التي جرى إيقاع البلاد فيها. فمسؤولية الدولة أساسية، لكنها تكون منقوصة اذا ما افلت المسؤولون الذين كانوا في سدّة المسؤولية فاتخذوا قرارات أوصلت الى الكارثة. فمسؤولية الدولة ليست مسؤولية مؤسسات بل مسؤولية اشخاص اداروا المؤسسات واساؤوا اقله في إدارة شؤون البلاد. أما مسؤولية المصارف فتنطلق مع حاكمية مصرف لبنان، بدءا من الحاكم والمجالس المركزية التي تعاقبت على المصرف، من خلال التماهي مع طلبات المسؤولين الذين اوغلوا في تحميل مصرف لبنان تبعات الإدارة المالية الكارثية، لتصل الى المصارف التي تتحمل هي الأخرى قسطا أساسيا من المسؤولية عن سوء إدارة أموال المودعين، مدفوعة بالخوف من معارضة طلبات مصرف لبنان وقراراته، او بسبب الطمع بلا حدود. المصارف، ولا سيما أصحابها، يجب ان يكونوا موضع مساءلة واقعية، فهم ليسوا ضحايا بالمقدار الذي يروّجون له. أما المودع فتحمّله لجزء من أعباء الخسائر يعود الى استحالة إعادة كل أمواله التي جمدت او ضاعت في فخ الازمة المالية. ولا يجوز ان يُحمّل المودع اكثر مما تحمل لغاية الآن من ظلم لحق به، او ان يساوى بينه وبين مَن ضيّعوا البلد بأمه وأبيه.
ان طريقة إدارة حل الازمة المالية والتفاوض مع صندوق النقد الدولي لا تتم من خلال إجراءات مجتزأة. فلا الموازنة المضحكة المبكية التي تفتقر الى ادنى معايير شبكة الامان الاجتماعي المصاحب لرفع الرسوم والضرئب، وزيادة الأعباء على المواطن من دون ان يُمنح الحد الأدنى المقابل على صعيد الحماية الاجتماعية، ولا مشروع “الكابيتال كونترول” المخزي الذي جرى تهريبه على عجل قبل وصول وفد صندوق النقد الدولي، يعكسان امتلاك هذه الحكومة بُعداً اجتماعيا، وحسّا إنسانيا مواطنيا حقيقيا للتصدي للازمة بالتكافل والتضامن مع الشعب اللبناني. هذه المجموعة تعيش في غربة اوجاع الناس اليومية. والحقيقة ان مواجهة الازمة تمر أيضا عبر ملاحقة القضاء المستقل بمفعول رجعي لكل مسؤول فاسد ومفسد اسهم في إيصال البلد الى هذا الدرك. اننا نكتشف يوما بعد يوم ان الحكومة الحالية، شأنها شأن الحكومات السابقة لا تحسن سوى سياسة الترقيع. وما المواجهات عبر بعض القضاء وحوله سوى وجه من وجوه الحروب الصغيرة التي تدور فوق جثة الوطن والمواطن. ولا بد من مقاربة رؤيوية، إصلاحية، سيادية، نزيهة وصلبة لمواجهة الكارثة وتبعاتها.

 

علي حمادة – النهار