في “الغزوات” الفضائحية للقضاء!

حين انتشر خبر الادعاء بمفعول رجعي مباغت لمفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية على الدكتور سمير جعجع في ملف غزوة الثنائي الشيعي على الطيونة وعين الرمانة عمت على مواقع التواصل الاجتماعي استعارات تسقط هذه الواقعة على تجربة تفجير كنيسة سيدة النجاة في حقبة الوصاية السورية وهي “آية” تسخير القضاء آنذاك في المؤامرات السوداء على مقاومي الوصاية الاسدية . لن يكون أشد اثارة للأسف من هذه الاستعارات الا “استشهاد” القضاء في العهد الذي كان يفترض ، في اقل الايمان، ان يتحقق خلاله تحديدا الإنجاز الأول والاساسي للبنان بإعادة الاعتبار الكاملة لمفهوم القضاء- العدالة ثأرا من حقبة مشؤومة فاذا بنا امام حقبة اشد شؤما .

لن نكرر لازمة تسخير القضاء في خدمة الجهات السلطوية المهيمنة ، وهي لازمة لا تحتاج الى الاثبات لفرط ما امعن التسخير السياسي في تكريسها ورفعها علامة استقواء في مواجهة خصومه غير آبه باسقاط ورقة التين عن عورات تسييس القضاء باسوأ مما فعله النظام السوري ابان وصايته على لبنان .

اذ ان الوقوف فقط امام شائبة التسييس وحدها ، على خطورتها الجسيمة ، يحجب الأضواء عن الجوهر الأهم والاشد خطورة في هذا الانحدار المخيف للسلطة القضائية التي كانت اخر خيط من خيوط رهانات اللبنانيين الاحرار والتواقين الى التغيير “الخلاصي” بالمفهوم الوطني والمؤسساتي المتحرر .

نعني بذلك ، بلا مداهنة ، القصور الذي نعاينه في عدم مناهضة اركان القضاء ل”غزوات” الجهات المهيمنة على صورته وسلطته وهيبته وصدقيته واستقلاليته وكانها تمام غزوة الطيونة ولكن هنا بلا مدافعين وبلا مقاومين في مواجهة الاستهداف .

ما يستدعي الخوف من ان نكون امام المؤامرة الأشد خطورة لتصفية القضاء كأهم وآخر مسارب الامل لاعادة تعويم مفهوم الدولة الإصلاحية من باب العدالة ، هو انصياع المؤسسة القضائية لكل ما يجري من تقويض عميق منهجي لملفات تختصر بذاتها واقع الاغتيالات المتدحرجة للبنان فيما تقوم على انقاض هذا التقويض ملفات تصفيات الحسابات السياسية بايدي قضاة وبتسخير ممتهن لمفهوم القضاء المحترف واصول الملاحقات الجزائية . حسبنا في ذلك ان نعاين السقطات الأخيرة المتعاقبة على “جبهات” قضائية كأسنان المشط فتحت دفعة واحدة بما يوحي بغرف او غرفة عمليات معتمة تضئ إشارات الهجوم والمهادنة والانكفاء والاندفاع وفق “حيثيات” قتالية تمليها مصالح التحالف المسيطر على الحكم والسلطة . لم يكن اكثر فضائحية في تقويض مفهوم القضاء كسلطة لاحقاق الحق من سقطات مثل محاصرة المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت وشله وتجميده . أسوأ من ذلك أيضا استناد الادعاء على احد أعتى خصوم “حزب الله” الى “شهادة” هزلية على فيديو لحزبي سابق معروف بعدائيته وبارتباطه باعداء سمير جعجع الذين يحلمون بالاعادة الوصاياتية داخليا هذه المرة للاجهاز على قوته المتصاعدة عشية الانتخابات .هذه السقطة الفضائحية لا تشذ عن تلك السابقة الكارثية في امتهان أصول الملاحقات والمسلكيات القضائية الوقورة والاصيلة من خلال اقتحام القاضية ذات المرتبة الرفيعة جدا والشاغلة المشهد القضائي بشكل شبه منفرد ، مبنى شركة الراحل- “الشهيد” ميشال مكتف على رأس “فرقة” للكسر والخلع والتهديم التي قامت بالقضاء على مؤسسة برأتها لاحقا النيابة العامة المالية تبرئة تامة .

وإذ نفضل عدم الإغراق في شوائب الملاحقات الأخرى التي تحتاج الى “ملاحق” فاننا نتساءل مع المتوجسين المذعورين : هل من رهان بعد على قضاء ترك لهذا التفلت ان يدفعه الى النزاع الأخير؟

 

نبيل بومنصف – النهار