فضيحة بعبدا: تعيين صليبا معرّض للإبطال!

بطلب مباشر من رئيس الجمهورية ميشال عون، و”مسايرة” من رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وبـ”غطاء” من الثنائيّ الشيعي، وافق مجلس الوزراء في جلسته يوم الخميس على قبول استقالة المدير العام لأمن الدولة اللواء طوني صليبا وإحالته على التقاعد، وتعيينه مديراً عامّاً لأمن الدولة بصفة مدنية.

لا يعني صدور القرار أنّ المرسوم سيصدر، ومداولات جلسة بعبدا الحامية حيال “وضعيّة” اللواء طوني صليبا القانونية بعد تقديم استقالته وتعيينه كـ”مدني” في المديرية العامّة لأمن الدولة تؤكّد أنّ الموضوع لم ينتهِ، وأنّه مفتوح على احتمالات عدّة، من ضمنها “توثيق” حصول فضيحة مدوّية في قصر بعبدا لأنّ القرار مخالف لقانون سلسلة الرتب والرواتب وقانون الموظفين.

إذاً: مرسوم قبول الاستقالة والتعيين في حالة Pending، أي معلّق صدوره إلى حين إجراء تسوية ما أو توليفة تقيه احتمال الطعن به لأنّ القرار الصادر عن مجلس الوزراء مخالف للقانون، وفق تأكيد مرجع قانوني.
بين صليبا وعثمان

في الأروقة المغلقة كان رئيس الجمهورية “يطبخ” قرار إبقاء اللواء طوني صليبا في موقعه حتى عمر الـ64، إلى حين إحالته كموظف مدني على التقاعد بعد نحو ستّ سنوات لأنّ صليبا اليوم بعمر الـ 59.

بدا لافتاً في هذا السياق عدم طرح الرئيس ميقاتي تقديم المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان استقالته أيضاً لتعيينه مجدّداً بصفة مدنية، مع العلم أنّ كثيرين يشيرون إلى العلاقة “غير السلِسة” بين الرجلين.

هي ورقة كان يمكن أن تضع حدّاً لرغبة عون وجبران باسيل بـ”التمديد” لصليبا، لكنّ الأمر مرفوض بالمطلق من جانب بعبدا بسبب العلاقة المتردّية مع اللواء عثمان بسبب حنبليته” في التزام النصوص القانونية ورفضه الاستزلام لدوائر بعبدا. كذلك تراخي رئيس الحكومة تجاه ابن بيئته باعتباره حسوباً على الرئيس الحريري الذي لا يتوانى عن التحيز للميقاتي منذ تسميته رئيساً لمجلس الوزراء وفق تأكيد مطلعين.

وقد رُصِد قيام ميقاتي بسلسلة اتصالات ولقاءات في شأن مدى صوابيّة سيره بخيار توقيع استقالة صليبا الذي كان سبق أن قدّمها قبل مدّة إلى رئيس الجمهورية.

أتى تمسّك عون ببقاء صليبا في موقعه في مرحلة بالغة الحساسيّة والخطورة تتخلّلها انتخابات نيابية ورئاسية لا أحد قادر حتى اللحظة على حسم حصولها فعلاً في مواعيدها المقرّرة.

 

صليبا قد “يطير” مجدّداً

يُحال اللواء صليبا على التقاعد في أيار 2023، أي بعد نحو عام وشهرين، ولم يكن هناك أيّ داعٍ للعجلة لإقرار التعيين، لكنّ رئيس الجمهورية يحرص على توفير الحماية لبعض “رجالاته” في الأمتار الأخيرة لنهاية ولايته الرئاسية، ومع اقتراب حكومة نجيب ميقاتي من أن تصبح حكومة تصريف أعمال بعد الانتخابات النيابية، وعندئذٍ تتعطّل أيّ إمكانية للتعيينات، مع العلم أنّ صليبا قد “يطير” مجدّداً من موقعه مع أيّ رئيس جديد للجمهورية يأتي مع “عُدّة شغله” الخاصة.

وبعد انتهاء جلسة مجلس الوزراء في بعبدا سارع الفريق القانوني لرئيس الجمهورية إلى إزالة الألغام أمام سلوك التعيين مساره الطبيعي وصدور المرسوم بعدما تبيّن أنّ الأمين العام لمجلس الوزراء محمود مكّية كان الوحيد تقريباً الذي سار “عكس تيار” هذا التعيين، وسط صمت معبِّر لوزراء الثنائي الشيعي يوحي بأمرين: إمّا حصول مقايضة ما، وإمّا معرفة الثنائي الشيعي بأنّ قرار مجلس الوزراء معرّض للإبطال أمام مجلس شورى الدولة، ولذلك كان “السكوت من ذهب”.
التمديد لمدّعى عليه!

اللواء صليبا هو نفسه المدّعى عليه في قضية انفجار المرفأ، ولم يُعطَ الإذن بملاحقته بحماية واضحة من رئاسة الجمهورية، وهو الذي يُنسّق مع مدّعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون في ملفّ ملاحقة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورؤساء مجالس إدارة المصارف الكبرى، وكان حاول تنفيذ مُذكّرة إحضار المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان بعد الادّعاء عليه من قبل القاضية عون. واليوم يبدو أنّ قرار تعيينه بصفة مدنيّة في رئاسة المديرية العامّة لأمن الدولة كمكافأة، بات معرّضاً للإبطال.

 

ثغرة قانونيّة

يوضح مصدر مطّلع لـ”أساس”: “هناك نصّ قانوني يَحفظ لقدامى القوات المسلّحة الحقّ بالتعيين في الإدارات الرسمية، وهذا ما حصل مثلاً مع المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم بعد قبول استقالته وتعيينه في الموقع نفسه بصفة مدنية بناء على مرسوم حمل الرقم 314 تاريخ 14 آذار 2017”.

يضيف المصدر: “لكنّ المادة 32 من قانون سلسلة الرتب والرواتب رقم 64 الصادر في 18 تموز 2017 نصّت على الآتي: “خلافاً لأيّ نصّ آخر لا يجوز أن تحفظ وظائف الفئتين الأولى والثانية لقدماء العسكريين حيث يبقى التعيين في هاتين الوظيفتين خاضعاً لأحكام قانون الموظفين. ويستمرّ الموظّفون الذين عُيّنوا قبل تاريخ العمل بهذا القانون بإشغال الوظيفة التي عُيّنوا فيها حتى انتهاء خدماتهم”. لذلك تعيين اللواء عباس إبراهيم مثلاً محميّ بهذه المادة القانونية لأنّه حصل قبل إقرار قانون السلسلة، لكنّ هذا لا ينطبق على اللواء صليبا”.

وهذا ما حصل أيضاً مع العميد الياس خوري الذي قبلت استقالته من قوى الأمن الداخلي قبل هذا القانون من ضمن الموازنة العامة وعيّن مديراً عاماً للأحوال الشخصية.

لكن ماذا يقول قانون الموظفين؟

يتابع المصدر: “هناك شروط نصّ عليها قانون الموظفين لتعيين المدنيين لا تنطبق على اللواء صليبا لناحية السنّ بحيث يجب أن لا يتعدّى الـ 39 عاماً، فيما صليبا اليوم هو بسنّ الـ 58، وكان يجب أن يُحال على التقاعد بسنّ الـ 59 برتبة لواء. وفي الحالتين لا يمكن تعيينه في موقعه الحالي بصفة مدنية لأنّ وضعه مخالف لقانون الموظفين”.

 

قرار من دون مرسوم

في هذا السياق تفيد المعلومات أنّ رئيس الجمهورية أصرّ في جلسة الخميس على صدور قرار التعيين عن مجلس الوزراء على أن يتمّ “التثبّت” لاحقاً من الوضع القانوني لتعيين صليبا، ولذلك لم يصدر مرسوم تعيينه بعد، بل تمّ الإعلان فقط عن قرار مجلس الوزراء.

الفضيحة أنّ القاضي ووزير العدل هنري خوري ذكّر خلال الجلسة بحالة تعيين اللواء إبراهيم عام 2017 من دون أن يتنبّه إلى أنّ تعيين إبراهيم بصفة مدنية حصل قبل إقرار قانون سلسلة الرتب والرواتب بأشهر، وأن هناك مادّة ضمن القانون نفسه تحفظ هذا التعيين.

وعَلِم “أساس” أنّ الفريق القانوني لرئيس الجمهورية يتّكئ على قانون الدفاع الذي ينصّ على أنّ المدير العام لأمن الدولة يُعيّن بمرسوم يُتّخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح رئيس مجلس الوزراء بناءً على اقتراح القوات المسلحة من رتبة عقيد وما فوق أو من بين موظفي الدرجات الثلاث العليا من الفئة الأولى أو من بين اللبنانيين من خارج الملاك من حملة الشهادات الجامعية”.

أخذ الفريق القانوني لعون من هذه المادة عبارة “أن يكون من بين اللبنانيين من خارج الملاك من حملة الشهادات الجامعية” ليبرّر قانونيّة تعيينه في موقعه كمدني.

لكنّ وجهة النظر القانونية المضادّة تنسف هذا المعطى متسائلة: “هل يمكن تعيين موظف مدني فئة أولى قد يكون عمره 60 أو 70 عاماً فقط لأنّه من حاملي الشهادات الجامعية؟ وأين التزام الحكومة بقانون سلسلة الرتب والرواتب لناحية العودة إلى قانون الموظفين؟”.

هي نقطة قانونية عالقة قد تنسف قرار تعيين صليبا بصفة مدنية أو تثبّت التعيين تحت لافتة “حامل شهادة جامعية”، الأمر الذي يُشكّل، برأي أوساط قانونية، فضيحة كبيرة يصعب تجاوزها.

وتتّجه الأنظار مجدّداً إلى رئيس مجلس شورى الدولة فادي الياس المحسوب على رئيس الجمهورية و”الفتوى” التي يمكن أن يقدّمها لرئيس الجمهورية لـ “شرعنة” هذا التعيين.

 

تعيين مكاري

على خط آخر، تفيد معلومات أنّ تعيين زياد مكاري وزيراً للإعلام مكان الوزير المستقيل جورج قرداحي سبقه كباش انتهى بسقوط اقتراح رئيس تيار المردة سليمان فرنجية بإجراء تبديل وزاري بين حقيبتيْ الإعلام والشباب والرياضة (جورج كلاس).

بالأساس لم يستسِغ باسيل تعيين زياد مكاري وزيراً في مرحلة الانتخابات النيابية، مع العلم أنّ الأخير ترشّح أكثر من مرّة للانتخابات، وعام 2018 انسحب لمصلحة لائحة طوني فرنجية وأعلن دعمه لها. ثمّ أتت الموافقة من بعبدا مشروطة بعدم حصول مداورة في الحقائب. وتؤكّد المعلومات أنّ تعيين وزير الشباب والرياضة جورج كلاس في الإعلام كان مرفوضاً من جانب عون وباسيل ربطاً بالمحاولات المتجدّدة من جانب عون لتعيين المدير العام لتلفزيون لبنان، وكان ثمّة تخوّف من عرقلة كلاس لهذا الأمر بسبب علاقته الوثيقة برئيس مجلس النواب نبيه برّي.

لكنّ أوساطاً متابعة تتساءل: “هل ما كان سيرفض الوزير كلاس تمريره في تلفزيون لبنان سيمرّره ويوافق عليه وزير تيار المردة؟!”.

 

ملاك عقيل – أساس ميديا