فجأة بوتين يغازل الناتو!

بعد ثمانية أيام على بدء الهجوم الروسي على أوكرانيا، بدا أن حسابات الرئيس فلاديمير بوتين لم تكن دقيقة، لا في الأداء العسكري ولا في الخطاب السياسي، الذي حاول أن يبرّر الغزو، عسكرياً بات واضحاً أن تدمير المدن بالصواريخ وقذائف الدبابات والطائرات، عملية لن تؤدّي الى استسلام سهل للأوكرانيين، وسياسياً كان الأداء الروسي كارثياً في نظر العالم والشعب الروسي على ما يبدو، بعدما قال بوتين إنه وضع ترسانته النووية في حال تأهّب، في وقت اكتفت فيه الولايات المتحدة ودول الناتو بالرد الهادئ المرتكز على مروحة متتابعة من العقوبات التي يمكنها خنق الاقتصاد الروسي رغم ردودها العكسية على الدول الغربية.

كان الأسبوع الأول للدبابات، والنار وذهب المسؤولون الروس الى الصمت، في وقت ارتفع فيه ضجيج دول العالم ضد الغزو العسكري وضد التهديد النووي طبعاً، قبل ٤٨ ساعة خرج الخطاب السياسي الروسي من الصمت، لكن ليقع في سلسلة من المغالطات والتناقضات، فاقمت التعثر العسكري على مداخل المدن الأوكرانية، ففي هذا السياق كان لافتاً أن تقدّم موسكو رواية متناقضة ومفبركة عن تعرّض محطة زابوريجيا النووية للقصف الأوكراني، عندما أعلنت فجر الجمعة أن مجموعة من المخرّبين الأوكران قاموا بعمل استفزازي ضد دورية روسية تحرس المحطة التي تسيطر عليها القوات الروسية منذ ٢٨ الشهر الماضي، وأن الدورية ردّت بإطلاق النار ففرّت المجموعة بعدما أضرمت النار فيها.

ولكن الرئيس فولوديمير زيلينسكي اتهم الروس بدخول المحطة فجر الجمعة وأنهم يحاولون إثارة الرعب النووي والسعي الى تكرار كارثة تشيرنوبيل، ولعل النفي الأهم للرواية الروسية جاء على لسان المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي، الذي قال إن صاروخاً روسياً استهدف المحطة النووية وأحرق مبنى داخل المنشأة، مؤكداً عدم تسرّب موادّ مشعّة بعد الحادث، وأنه تحدّث مع المسؤولين الروس عن خطورة الأمر!

والسؤال: هل بوتين الذي اتصل بالرئيس إيمانويل ماكرون يوم الخميس ليبلغه أن “الأسوا لم يأتِ بعد” وأنه سيواصل هجومه للسيطرة على كل أوكرانيا، بدأ يتأثّر بخطاب زيلينسكي الذي قال في مؤتمر صحافي: “أنا لا أجيد إطلاق النار وأريد التحدّث مباشرة مع الرئيس بوتين، أنا لا أعضّ… يجب أن أتحدّث معه لأنها الطريقة الفضلى لوقف الحرب، وأنا منفتح ومستعدّ للتطرّق الى كل المسائل”. وهكذا كان مفاجئاً أن بوتين الذي بدأ يجتهد لمحو نتائج إنذاراته النووية السيئة، لم يتردّد أمس في حثّ جيران روسيا على عدم تصعيد التوتر، بينما هو الذي يمضي في هذا التصعيد، قائلاً “لا نضمر نيّات سيّئة لجيراننا وأنصحهم أيضاً بعدم التصعيد وعدم فرض أي قيود، ونحن نفي بكل التزماتنا وسنواصل الوفاء بها، ولا أرى أيّ ضرورة لتوتر علاقاتنا أو تدهورها” ولكأنّ جيرانه في الناتو هم الذين هدّدوا بالنووي!

لكن يبدو أن بوتين بدأ يعاني أولاً من وجع العقوبات التي تخنق اقتصاد روسيا، وهو يراقب تداعي المصارف الروسية، فكيف إذا فُرضت عقوبات على النفط رغم أن ذلك سيؤلم أوروبا وأميركا، وثانياً من ارتفاع المعارضة الداخلية للحرب بعدما زاد عدد المتظاهرين عن سبعة آلاف، وربما أكثر بكثير وهو ما إضطرّ ديميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين، الى أن يدعو علناً وصراحة الى “وقوف الروس صفاً واحداً وراء رئيسنا، لأنّ هذا ليس وقت الانقسام”، وهو ما دفع البعض الى القول إن هناك انقساماً روسياً حول الحرب وعلى بيكسوف إقناع ابنته لينا بذلك أولاً!

وجاء هذا الكلام وسط أنباء عن اتجاه الى فرض الأحكام العرفية في روسيا، وتفعيل عمل “وزارة التنوير” التي تقوم بتعليم الأطفال أهمّية الحرب لمواجهة خطر حلف الناتو، وكان هتلر يطبق نظرية هذه الوزارة في ألمانيا!

راجح خوري – النهار