عندما يشاهد نصرالله لبنان مترئساً العرب ينظرون في التدخلات الإيرانية

هل هي صدفة، أن يترأس لبنان الاربعاء في 9 آذار الجاري الدورة الـ157 لاجتماع مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية بمقر الأمانة العامة للجامعة في القاهرة، وفق جدول أعمال، يتضمّن “موضوع التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية للدول العربية”، غداة يوم ألقى فيه الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله، كلمة مسهبة أدان فيها ابتعاد المسؤولين في لبنان عن سياسة “النأي بالنفس”، في شأن الحرب الأوكرانية؟

لعل من يتملكه هاجس “نظرية المؤامرة”، سيجد تبريراً لهذه الصدفة التي لا تعني سوى أن هناك من يريد إخراج لبنان الواقع في دائرة نفوذ الحزب ومن ورائه إيران، من هذه الدائرة، فكان بالأمس الموقف الرسمي الذي أدان الغزو الروسي لأوكرانيا، وأتى اليوم الموقف المتجدّد من التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية للدول العربية، ولبنان في مقدمة هذه الدول.

غير أن التمهّل قبل إطلاق الأحكام، يدفع الأمور في اتجاه مختلف. فلبنان، حتى إشعار آخر، هو عضو مؤسّس في جامعة الدول العربية منذ نشأتها في عام 1945، أي بعد نيل لبنان الاستقلال بعامين. وفي المقابل، لم يكن لبنان في تاريخه ذا صلة بأيّ جامعة أو رابطة أو مؤسسة فارسية، أي اللغة التي تمثلها إيران في الدرجة الأولى في آسيا.

وبالعودة الى جدول أعمال الدورة الـ157 لاجتماع مجلس جامعة الدول العربية، الذي يتضمن 11 بنداً، فهو كان متنوعاً على عادته. ففي بدايته بند “التحضير للقمة العربية المقبلة في الجزائر”، وفي نهايته بند مقدم من دولة الكويت حول “مبادرة الأمن الغذائي العربي”. أما سائر البنود، وهي مزمنة، فتشمل “القضية الفلسطينية” بكل متفرعاتها وهي كثيرة، فضلاً عن “التدخلات التركية”، وغيرها. أما بند الشق الإيراني، فهو إضافة الى ما سبق ذكره، يذكر “احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، وأمن الملاحة وإمدادات الطاقة في منطقة الخليج العربي”، الذي تتهدده إيران مباشرة أو غير مباشرة عبر ذراعها الحوثي.

لن يكون هناك صوت عربي، يجاهر بالدفاع عن إيران في هذه الأيام، باستثناء النظام السوري، الذي فقد عضويته في جامعة الدول العربية منذ الثورة في سوريا التي قمعها النظام بوحشية نتذكرها اليوم في مجريات الحرب الدائرة الآن في أوكرانيا، من دون أن نغفل أن مأساة سوريا المشهودة، قد تمّت أيضاً على يد النظام الإيراني وأذرعه وفي مقدمها “حزب الله”، فضلاً عن التدخل الروسي عام 2015، ما قلب موازين القوى في الحرب السورية رأساً على عقب.

هل سيطلّ نصرالله، رداً على الانحياز اللبناني للمجموعة العربية، بمطالعة مماثلة لتلك التي أطلّ بها الثلثاء الماضي، في “يوم الجريح”، وقال فيها إنَّه “كان من مصلحة لبنان أن يمتنع عن التصويت في الأمم المتحدة ولكن لبنان صوّت ضد روسيا”، مضيفاً: “المؤسف أن البيان الرسمي اللبناني الذي صدر باسم وزارة الخارجية اللبنانية ذهب إلى السفارة الأميركية والسفارة عدّلت عليه”. وانتهى الى القول: “المطلوب من لبنان أن يقول للأميركيإن اللبنانيين ليسوا عبيداً عنده”، سائلًا: “أين النأي بالنفس الذي تنادي به الحكومة؟”.

لا يبدو أن لدى نصرالله، في حالة جامعة الدول العربية، حجّة تماثل حجّته في حالة أوكرانيا. ففي الحالة العربية، يعود الموقف اللبناني الى المربع الأول، حيث يقول تاريخ لبنان ودستوره وحاضره، إنه دولة عربية. أما إيران، فهي تقع بين منزلتين: إسرائيل التي ما زالت عدوّة بالنسبة للبنان، وتركيا، الدولة التي لها ملفّ مفتوح فقط في شمال العراق. وبين هاتين المنزلتين، تُعدّ إيران دولة متدخلة على مستوى العالم العربي قاطبة، بعدما تباهت طهران يوماً بأنها “تحكم أربع عواصم عربية، هي: صنعاء، بغداد، دمشق وبيروت”.

يقول أحد الخبراء في ملف “حزب الله”، إن “أهم ناطق باسم اللغة العربية، هو السيد حسن نصرالله. وعلى مثاله، جرى إعداد زعيم جماعة “أنصار الله” الحوثية في اليمن عبد الملك الحوثي، ليكون ناطقاً على غرار نصرالله. لكن أياً من نصرالله أو الحوثي، لا يمكن اعتباره شخصية عربية، قولاً وفعلاً، لأنه ينطق بالعربية لمصلحة الدولة الفارسية”.

بالعودة الى لبنان، لا يبدو أن هناك صوتاً واحداً، يجاري نصرالله في انتقاده للموقف الرسمي من الحرب الأوكرانية، سوى “التيار الوطني الحر” برئاسة النائب جبران باسيل، الذي أطل ببيان باسم تكتل “لبنان القوي”، في وقت واحد مع إطلالة نصرالله الأخيرة، ليؤكد في شأن الحرب الأوكرانية “تمسّكه بوجوب حل المشكلات بالطرق الديبلوماسية والسلمية، والامتناع عن أن يكون لبنان طرفاً في أيّ نزاع خارجي تحت ما نعتبره “تحييد لبنان”، وما يسمّيه البعض “النأي بالنفس”.

ويذهب معارضو باسيل في الاتجاه نفسه الذي ذهب إليه الأمين العام لـ”حزب الله” بالأمس، عندما قال “إن البيان الرسمي اللبناني الذي صدر باسم وزارة الخارجية اللبنانية ذهب إلى السفارة الأميركية والسفارة عدّلت عليه”، فيرون أن بيانات باسيل هي بدورها “تذهب من دون توقف الى حارة حريك حيث تنال موافقة الحاج وفيق صفا، مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله، والمكلف بملف العلاقات بين الحزب والتيار بما يشمل قصر بعبدا”.

 

أحمد عياش – النهار