صوتت سوريا مع روسيا واسرائيل ضربت

عقد في واشنطن اخر الاسبوع الماضي اجتماع حول سوريا ضم 13 مندوبا عربيا وغربيا كان لافتا من حيث رمزية انعقاده وتوقيته في حمأة الصراع القائم مع روسيا حول حربها على اوكرانيا وغداة تصويت النظام السوري إلى جانب روسيا دعما لها في الجمعية العامة للامم المتحدة وتأييدا لاعلان اقليمي دونيتسك ولوغانسك. الرسالة في المضمون الذي حمله الاجتماع كانت في تركيزه على عنصر المساءلة. فالبيان اصر على ضرورة الوصول إلى نتائج ملموسة من الجولة السابعة للدورة المقبلة للجنة الدستورية في آذار الحالي، مؤكدين على مواصلة ” الضغط من أجل المساءلة”، خاصة بالنسبة لأخطر الجرائم التي ارتكبت في سوريا، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية، وكذلك الضغط من أجل إطلاق سراح المعتقلين تعسفياً، والمحاسبة الكاملة للمفقودين. كما رحّب المندوبون وممثلو الدول المشاركة في الاجتماع بواشنطن أول من أمس، بالجهود الجارية لملاحقة الجرائم المرتكبة في سوريا، والدعوة إلى استمرار الدعم للاجئين السوريين والدول المضيفة، حتى يتمكن “السوريون من العودة طواعية إلى ديارهم بأمان وكرامة”. الاجتماع الاخير المماثل كان عقد في 3 كانون الاول من العام الماضي في بروكسل وكان مضمونه بهدف وقف مسار التطبيع مع دمشق فيما ان الرسالة الاخيرة لا يراها مراقبون معنيون بعيدة اولا من الحرب مع اوكرانيا ومن الرسالة إلى روسيا بهذا المعنى فضلا عن رسالة اخرى حول ملاحقة الجرائم المرتكبة وذلك في اطار البحث في ” حالة حقوق الانسان في اوكرانيا النابعة من العدوان الروسي” وفقا لقرار مجلس حقوق الانسان والتلويح بامكان انشاء الية محددة على غرار تلك التي انشأتها الجمعية العامة للامم المتحدة في كانون الاول 2016 من اجل سوريا. فهاتان رسالتان متصلتان او مترابطتان ومساءلة الاسد قد تعود تأخذ بعدا جديدا وليس تسليما به وفق ما يرغب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. يعتقد هؤلاء المراقبون ان حرب روسيا على اوكرانيا قد لا تكون اعادت العقارب إلى الوراء بالنسبة إلى تأهيل النظام السوري واعادة استيعابه عربيا على الاقل فحسب كما كانت تسير الامور علما ان الخطوات على هذا الصعيد تمت فرملتها قبل ذلك على غير الطموح لدى روسيا كما الاستعدادات لذلك من الحلفاء في لبنان كذلك. ولكن الجزرة التي تم تقديمها سابقا من خلال التساهل ازاء بقاء النظام لا يعني اطلاقا التسليم بالامر الواقع كما هو. سلط اجتياح روسيا لاوكرانيا والقصف الذي يحصل للمدن ودفع اللاجئين إلى اوروبا الضوء على تداعيات التدخل الروسي في سوريا والذي وضع في إطار مختلف انقاذي للنظام من السقوط بدلا من سعي روسيا إلى اسقاط نظام اوكرانيا.

الا ان اللافت بالنسبة إلى هؤلاء ان تصويت النظام السوري إلى جانب روسيا في الجمعية العامة لم يجنب سوريا ضربة اسرائيلية جديدة قامت بها اسرائيل فجر الاثنين الماضي على أثر زيارة لرئيس الوزراء الاسرائيلي نفتالي بينيت إلى روسيا واعلانه العمل على وساطة لانهاء الحرب على اوكرانيا. وهو امر يفترض ان يكون محرجا للنظام من حيث المبدأ فيما لو ان الحسابات تجري بعيدا منه. وكذلك الامر بالنسبة إلى إيران التي امتنعت عن التصويت ضد اجتياح روسيا لاوكرانيا فيما تبقى الضربة الاسرائيلية واضحة لجهة ان القواعد لا تزال نفسها حتى الان في سوريا او بالنسبة اليها على رغم المتغير الكبير والخطير الذي ادخلته الحرب الروسية على الصعيد الدولي وبتداعيات لن تبقى المنطقة في منأى عنها. وكثر ترقبوا سبل ترجمة ما كانت اعلنته السفارة الروسية في اسرائيل الاسبوع الماضي من ” أن التعاون بين البلدين في سوريا مستمر على رغم الإدانة الإسرائيلية للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا” بعدما كانت تخوفت اسرائيل من ان يؤدي موقفها في شأن اوكرانيا إلى قرار روسي بمنع الهجمات الاسرائيلية ضد اهداف ايرانية في سوريا. لا بل ثمة من يعتقد ان عجز النظام عن تأييد الخطوات الروسية سيبقيه في احضان روسيا لوقت طويل سلبا او ايجابا من حيث تراجع امكانية الاعتراف الغربي او اعادة الاعمار لا سيما إذا استعرت فصول الحرب الاباردة مجددا فيما ان وضع الاوراق على الطاولة في مرحلة ما بين الدول الغربية وروسيا قد لا يبقي النظام خارج معادلة التفاوض وربما قبل ذلك.

ويصعب بالنسبة إلى غالبية المتابعين لملف سوريا التكهن بمسار الانعكاسات عليها نتيجة الحرب الروسية على اوكرانيا والتزامها الكلي تأييد روسيا في ظل سيناريوهات غير واضحة للامور. وهو امر ينسحب كذلك على التداعيات المحتملة للعودة إلى العمل بالاتفاق النووي على ضوء مفاوضات فيينا فيما ان التنافس الروسي الايراني في سوريا امر لا يمكن تجاهله وكذلك الامر بالنسبة إلى رهانات دول المنطقة سابقا على تقدم الدور الروسي على حساب الايراني في سوريا واحتمال دخول متغيرات تفرضها الحرب وضروراتها. فحتى الان يستقطب الاهتمام التداعيات الخطيرة للحرب على الامن الغذائي في سوريا كما في لبنان واليمن ودول اخرى تعاني اوضاعا انهيارية صعبة. ولكن الكثير من المتغيرات ليست واضحة بعد على الخريطة السياسية فيما ان ” محور الممانعة ” الذي يضم لبنان بسلطته الحالية إلى كل من سوريا وإيران قد انقسم واختلف في طبيعة التصويت في الحرب على اوكرانيا فاختلف موقف لبنان عن سوريا وعن إيران واختلف موقف سوريا كذلك عن إيران. وهذا جزء من الارباك الذي يضفي غموضا على طبيعة المرحلة المقبلة وحساباتها المقلقة، لا سيما اذا نجحت الولايات المتحدة واوروبا في زيادة كلفة الحرب الروسية على اوكرانيا فيما انه لا يمكن تجاهل تأكيدات روسيا بقاءها في سوريا بقوة . ولكن الحرب لا تزال قائمة وكذلك اليتها في كل الاتجاهات وكثر لا يعتقدون ان سوريا او نظامها بالاحرى لن يعاني بقوة بسبب حليفه.

 

روزانا بومنصف – النهار