دولة أم “لجنة بناية”؟

أما و”ليالي لبنان” من الساعة حتى موعد الانتخابات النيابية الموعودة صارت للمبارزات التلفزيونية المفتوحة على محاولات شاقة لتحفيز مواطنين باتوا يكفرون بكل شيء، فإن الجانب الآخر من مشهد العبور الى الانتخابات المتصل بطبيعة “حوافز” السلطة للناس يبدو أشد مدعاة للمعاينة. لم يمرّ في تاريخ الدورات الانتخابية، حتى في زمن الوصاية السورية المباشرة، أن أقامت على تنظيم استحقاق انتخابي سلطة بمثل التقهقر والهبوط “والمسخرة” المتناهية التي تطبع تصرّفات وسلوكيات السلطة الحالية بمؤسستيها التنفيذية والتشريعية.

ومن سوء طالع اللبنانيين الذين افتقدوا في السنوات الثلاث الأخيرة كل ملامح “الأعاجيب” المنجية من الأقدار الغاشمة، أن حدثت الحرب الروسية على أوكرانيا لتدفع قدماً بوزراء ومسؤولين ورموز في هذه المسمّاة دولة الى مسرح يومي بفعل تفاقم الأزمات المعيشية والخدمات فصرنا أكثر فأكثر أمام مسرح فكاهي هزلي مضحك مبكٍ، من شأنه أن يمسخ في أذهان اللبنانيين كل مفهوم جدّي وعميق للمسؤولية العامة.

وفي وقت يُفترض أن يترقب فيه اللبنانيون التعرّف الى مئات الطامحين الجدد الى التنافس في معترك الانتخابات لعلهم يحرّكون حماسة خامدة للإقبال على الاستحقاق التغييري الى حدود قياسية خطيرة وربّما غير مسبوقة، تنبري هذه المنظومة السلطوية الى تقديم أسوأ الأسوأ في التعامل مع الرزمة الجديدة الوافدة من الأزمات البالغة الخطورة على يوميات الناس بما لا يقاس بزمن الجائحة ولا قبله بزمن بدايات تفجّر الانهيار المالي.

لقد أثبتت الأيام الأقل من أسبوعين حتى الساعة منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا وما بدأ يصدره من تداعيات على العالم، أن انعدام الثقافة “الدولتية” لدى السلطة اللبنانية، حكومة وبرلماناً وأجهزة إدارية مسؤولة عن التخطيط والتحسّب والتحوّط لنوع الأزمات التي تضرب لبنان، هو من النوع القاتل تماماً الذي يتسبّب باستشراء الكوارث، إذ يكفي التمعّن في مستوى الضحالة التي تجسّدها تصرّفات وزراء ومسؤولين على المستوى الإعلامي اليومي للتأكد من أن هذه النوعيات الشعبوية الضحلة ليست إلا شهادة تثبت أن لبنان متروك لأبشع المصائر بلا دولة، أو لنقل إنه بين أيدي دولة عشائرية في مفهوم ثقافة المسؤولية بل أسوأ فربما هي دولة تتصرّف بمعايير “لجنة بناية” لا إدارة مصير بلاد أجهزت عليها أصلاً بشتى صنوف الآفات.

تتجه الأزمات الكارثية بدءاً بالكهرباء والمحروقات والأمن الغذائي والاستشفاء الى مستويات من الاستشراء والتفاقم لن يبقى ممكناً معها تصوّر أيّ قدرة لدى الناس بغالبيتهم الساحقة على الصمود ضمن أدنى الحدود المتصوّرة للتحمّل.

كلّ هذا ما كان ليشكّل مادّة تصويب على هذا الواقع الهابط لولا المصادفة البائسة المضافة الى مصير اللبنانيين في تلقي أنماط دولة معنيّة بتمرير البلاد الى موعد انتخابات يُزعم أنها ستبدّل القهر والانهيار التاريخيين اللذين أطبقا عليهم، فيما اندلعت موجة جديدة من الأزمات بفعل الحرب الروسية على أوكرانيا، ووجد اللبنانيون أنفسهم في مقدّم الشعوب التي تتلقى تداعياتها. وإن كانت العيّنة الأولى من التعامل الحكومي والرسمي مع تداعيات هذه الحرب كما مع الاستعدادات الجارية للانتخابات انتهت الى عودة مشاهد الطوابير عند المحطات والرفوف الفارغة في السوبرماركات كما الى عودة الاشتباكات القبلية السياسية داخل مجلس الوزراء واللجان الوزارية والنيابية وسائر مشتقات الدولة، فكيف لا يكون ذلك موجباً إضافياً للتوجّس من أن نبلغ موعد 15 أيار على أنقاض الانهيار العارم الساحق الذي سيجهز على كلّ البقايا؟

نبيل بومنصف – النهار