حكمت ديب يدفع ثمن النفور من باسيل

أن السبب الأساسي الذي دفع النائب حكمت ديب للاستقالة من التيار الوطني الحر هو استبعاده من السباق الانتخابي، وإبلاغه بعدم ترشيحه للانتخابات المقبلة، إلا أن تراكم الأخطاء في إدارة الملفات الداخلية، بعد تسلم رئيس التيار جبران باسيل، هو الأساس في هذه الاستقالة، التي ستتبعها استقالات شبيهة في المرحلة المقبلة، بعدما بات “التيار” بيت بمنازل كثيرة.

المصلحة الانتخابية قد يكون موقف قيادة التيار في استبعاد ديب مبرراً، إذا أخذ الأمر كمصلحة انتخابية بحت، بعدما بات “التيار” مهدداً بتراجع شعبيته. بمعنى أن التيار لجأ إلى التفكير الواقعي بانتقاء مرشحين يرفدون اللائحة في بعبدا بأصوات من خارج صحن “التيار”، وبأموال لتمويل الحملة الانتخابية. لكن المشكلة تكمن في مدى سوء الإدارة الداخلية التي وصل إليها “التيار”، الذي بات غير قادر أن يمون على مرشح أو نائب بعدم الترشح. وذلك بعكس القوات اللبنانية التي تنتقي المرشحين كما يحلو لرئيسها سمير جعجع، وفق المصلحة الانتخابية الفضلى، من دون تسجيل أي اعتراض، كما تقول مصادر مطلعة داخل التيار.

الخوف من الشيعة الأسباب التي دفعت التيار إلى استبعاد ديب من السباق هي الخوف من خسارة المقعد في بعبدا لصالح المرشحين الشيعة من ناحية، والبحث عن مرشحين غير حزبيين ومتمولين. ففي أفضل السيناريوات، التي تظهرها الاستطلاعات، تحصل لائحة التيار-الثنائي الشيعي على ثلاثة حواصل. وفي حال خاض التيار المعركة بمرشحين حزبيين، أي آلان عون وحكمت ديب، فإن توزيع الأصوات التفضيلية عليهما يجعل المرشحين الشيعة في الصدارة. فحركة أمل قررت ترشح فادي ناصر، الرئيس الفخري لنادي البرج. وهو متمول ويمكنه أن يمول الحملة الانتخابية، وشعبيته أكبر من شعبية النائب فادي علامة. وبما أن مرشح حزب الله سيكون أولاً، يخاف التيار من حلول ناصر ثانياً. وفي حال حصلت موجة شعبية تؤدي إلى فوز المعارضة بمقعدين، يصبح نصيب لائحة التيار-الثنائي مقعدين، فيخسر التيار إمكانية الفوز بمقعده لصالح مرشحي الثنائي. بيمنا السير بترشيح عون وصب كل الأصوات التفضيلية عليه سيجعله يتفوق على مرشح “أمل”.

خيارات عشوائية حقيقة الأمر أن شعبية “التيار” تراجعت إلى حد غير مسبوق منذ اندلاع انتفاضة 17 تشرين. ومع انتهاء عهد الرئيس ميشال عون من دون إنجازات كان ينتظرها العونيون، بات “التيار” في وضع حرج مع القاعدة الشعبية. وباتت القيادة تخاف من الناس في ظل الاستطلاعات التي تظهر التراجع الشعبي الكبير. هذا رغم أن التراجع، واقعياً، ليس كما تدل الاستطلاعات، والخوف من عقاب الناخبين غير مبرر كي تندفع القيادة إلى خيارات عشوائية، كما تقول المصادر في التيار.

اهتراء التنظيم الحزبي لا يريد ديب التعليق على الأمر. رمى القنبلة في انتظار ردود الفعل، علّ جبران يعيد حساباته. لكنه يقول في مجالسه إن جبران وآلان وميشال عون يقفون ضد طموحاته، وهذا ما يدفعه إلى الاستقالة. لكن تبين بعد الانتخابات التمهيدية في التيار، المشكوك فيها من ديب وغيره من المرشحين، أن نائب بعبدا بحكم المستبعد من السباق بعدما حل رابعاً. وتزامن الأمر مع تحرك باسيل لترشيح رئيس بلدية الحدث جورج عون أو نجله، بغية تمويل اللائحة. وبعد فشل هذه المساعي وقع الخيار على الطبيب شادي الأسمر من الحدت.

إقصاء المناضلين لصالح المتمولين هذه الوقائع الميدانية التي تقف خلف خطوة ديب. أما السبب الفعلي للاستقالة فهو الاهتراء التام للتنظيم الحزبي، الذي جعل باسيل يتحكم بكل مفاصل التيار، رغم أن “التياريين” لم يهضموا هذا الأمر بعد. فلو كان “التيار” تنظيماً متماسكا لكان أي قيادي فيه يقبل بما تمليه المصلحة الانتخابية، كما هي الحال مع القوات اللبنانية. لكن واقعياً باتت الثقة مفقودة داخل “التيار” ما يدفع المستبعدين من الترشح إلى خيارات شبيهة بما قام به ديب. فالمستبعدون يقرأون الاستبعاد كطرد للمناضلين والمخلصين لصالح المتمولين والمنتفعين، ولا يقرأون الأمر كمصلحة انتخابية استراتيجية ضرورية لفوز التيار والحفاظ على مقاعده. أما المصادر المعارضة التي تركت “التيار”، فتؤكد أن ديب أخطأ عندما لم يقدم استقالته من قبل. فهو كان شاهداً على كل ما يجري في التيار، واستمر مع قيادة تطحن أبناءها الواحد تلو الآخر. وقد ووجه من قبل بكل الوقائع التي تشير إلى وصول “التيار” إلى ما وصل إليه، لكنه فضل البقاء في الداخل. والبقاء داخل “مطحنة التيار” تستلزم الإمساك بالأرض وفرض النفس، غير ذلك سيتهاوى الجميع الواحد تلو الآخر. وهذا ما لم يفعله ديب الذي فقد شعبيته رويداً رويداً.

وليد حسين – المدن