حصر إرث الحريرية السياسية: السنيورة يُناور.. وميقاتي بصمت

قبل حوالي عشرة أيام من موعد إقفال باب الترشيحات، لا تزال حالة الإرباك تخيّم فوق ساحة الشطرنج الزرقاء. كُثُر من نوّابها الحاليّين يفكّرون في إعادة الترشّح بعد دراسة الوضع على الأرض ورصد ردّة فعل الناس على قرارهم المخالف لرغبة رئيسهم، ولو أنّ تيار “المستقبل” يضيّق عليهم الخناق من خلال التعاميم المتتالية التي تشدّد على حتميّة الاستقالة من “التيار” في حال أرادوا القفز على حلبة النيابة.

لكنّ التطوّرات المتلاحقة التي فرضها قرار رئيس التيار سعد الحريري بالاعتكاف، تدفع بعض مكوّنات فريقه السياسي إلى التفكير مليّاً في كيفيّة مواجهة المرحلة المقبلة، خصوصاً بعد التحرّكات المضادّة التي أفرزتها الساحة السنّيّة.
فالمهل الانتخابية باتت داهمة. لكنّ اللافت، على سبيل المثال، هو أنّ ماكينة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لم “تضرب ضربة” بعد في طرابلس. ولو أنّ بعض وجوه المنطقة تؤكّد أنّ الرجل لن يترك مقعده شاغراً ولن يقدّمه على طبق من فضّة لأحد، لا لأيٍّ من أفراد أسرته، ولا لأيٍّ من فريقه السياسي. لم يفصح ميقاتي عمّا يدور في رأسه، لكن ثمّة مؤشّرات سياسية تدلّ على أنّه سيرأس لائحة “العاصمة الثانية”، بالشراكة مع بعض الوجوه المستقبلية.

في المقابل، لا داعي للاستعانة بالتغريدة التي ألحقها أحمد الحريري بالمؤتمر الصحافي الذي عقده رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، للتأكّد من أنّ حركة الأخير تثير الريبة والانزعاج، ولم يهضَمها الحريريّون.

أكثر من ذلك، يقول أحد المطّلعين على هذا الملفّ إنّ سعد الحريري لم يوفّر السنيورة من انتقاداته اللاذعة حين سُئل خلال اجتماع مغلق مع مسؤولي تيّاره ومنسّقي المناطق عن حركة “شريكه” في نادي رؤساء الحكومات. بل استعاد الحريري سلسلة التحرّكات “غير البريئة” التي كان يقوم بها السنيورة كإنشائه مجموعة العشرين، على سبيل المثال لا الحصر، للدلالة على “مشاريع” رئيس كتلة المستقبل سابقاً… التي لا تلاقي قبولاً.

تقود هذه المراجعة إلى تأكيد تقديرات حول أسباب زيارة “العمّة” بهيّة الحريري أبو ظبي ولحق بها نجلها أحمد بالأمس، للقاء ابن شقيقها، باعتبارها كان لها هدف واحد: “تطويق حركة فؤاد السنيورة”.

تدلّ المؤشرات على أنّ الأخير يحاول جاهداً استثمار حالة الفراغ، التي أحدثها قرار الحريري بالاعتكاف والنزول عن المسرح السياسي، في محاولة لتكوين حالة بديلة لا ترتقي أبداً إلى مستوى الزعامة، لكن من باب تشكيل ما يشبه قيادة سياسية تتولّى شؤون الطائفة من نافذة الاستحقاق النيابي.
رسائل السنيورة

رسالتان أساسيّتان اختزلتا المؤتمر الصحافي الذي عقده السنيورة، كما يقول المتابعون:

أوّلاً: تشجيع السُنّة و”تيار المستقبل” على المشاركة بكثافة في الانتخابات النيابية، لتكون الخلاصة هي السعي إلى تأليف جبهة مع “القوات” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” وخوض الانتخابات على نحو مشترك. خصوصاً أنّ هذين الطرفين بالتحديد هما الأكثر تضرّراً من خروج الحريري من المشهديّة الانتخابية ويخشيان من انكفاء القواعد المستقبلية عن صناديق الاقتراع. إذ تشير الاستطلاعات إلى أنّ نحو 50% من جمهور هذا الفريق قد يعتبر نفسه غير معنيّ بالاستحقاق.

ثانياً: محاكاة السعودية من خلال تبنّي خطاب المواجهة ضدّ “حزب الله”، والعمل على إقناع قيادته بـ”العودة” إلى الساحة اللبنانية ودعم حلفائها. والأهم تسويق فكرة العودة إلى التحالف مع القوات اللبنانية باعتبارها الجهة الأكبر رصيداً عند السعودية.

لكنّ محاولة السنيورة لا تزال تصطدم بالكثير من العراقيل والعقبات:

أولاها عدم تلقّف خطوته أيّ دعم خارجي، وتحديداً من جانب السعودية التي لا تزال تتعاطى بكثير من اللامبالاة السياسية مع تفاصيل الملفّ اللبناني. ولم يكن البيان الفرنسي السعودي المشترك حول المساعدات الإنسانية إلاّ من باب حفظ ماء الوجه للإدارة الفرنسية التي حاولت التخفيف من وطأة الضغوط السياسية على لبنان.

وثانيتها عدم تقبّل القواعد البيروتية التي تدور في فلك الحريريّة السياسية لسيناريو ترشّحه في العاصمة، وهو ما يدفعه إلى التفكير مليّاً قبل الإقدام على هذه الخطوة. مع العلم أنّ بعض الوجوه المستقبليّة السابقة لا تبدي انزعاجها من حركته، كالوزير السابق أحمد فتفت، أو الدكتور مصطفى علّوش والوزير السابق أشرف ريفي، وقد تكون متحمّسة لمشروعه.
“ديل” جبيل يَمتدّ إلى البقاع: ما مصير الفرزلي؟

لكن في المقابل، يقول أحد المتابعين إنّ شريحة كبيرة من جمهور الحريري لن تساير السنيورة في مشروعه ما دام رئيس “تيار المستقبل” غير راضٍ عنه. لهذا ثمّة محاولة من جانب “العمّة” ونجلها أحمد للالتفاف على هذا المسعى، وقد يكون من خلال وضع لائحة بمَن سيدعمهم تيار المستقبل من تحت الطاولة وبمَن سيضغط لمقاطعتهم، لكي لا يُسحب البساط من تحت أقدام سعد الحريري على نحو كامل.

 

كريستال خوري – أساس ميديا