ترشيحات انتخابية تتحدّى تطلعات ١٧ تشرين

تصل وفود من صندوق النقد الدولي واحداً تلو الآخر ويعيد كل منها على أهل السلطة الكلام نفسه عن ضرورة الإصلاح من دون أيّ نتيجة، فيما يزايد هؤلاء عليهم كما على وفد الخزانة الأميركية بالسعي الى محاربة الفساد وتبييض الأموال. ويعود مجلس الوزراء للبحث في خطة للكهرباء باتت ممجوجة لأن أهل السلطة المسيطرين على هذا الملف لا يغيّرون قيد أنملة في مقارباتهم ما دام الملف في عهدتهم كمن يجترّ نفسه، وهو ما يواجهه راهناً رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على هذا الصعيد مهدّداً بما حصل في حكومة حسان دياب الذي وافقت حكومته على خطة للكهرباء أجبر على التراجع عنها بعد أسبوعين. لا يهم تخطي الدين من الكهرباء وحدها ٤٥ مليار دولار ولا انهيار لبنان، علماً بأن لا قيامة للكهرباء في ظل الفريق نفسه ومكابرته إزاء إصلاح هذا الملف وقد أدانه فيه الخارج والداخل على حدّ سواء فيما يستمر أهل السلطة في حالة الإنكار التي وجدهم فيها مسؤولون دوليون كثر. فبعد ما يقارب سنتين وبضعة أشهر على الزلزال الذي أحدثته انتفاضة ١٧ تشرين الاول ٢٠١٩ لا قرار سياسياً بالإصلاح ولا إرادة سياسية ببدء العمل على خطوات إصلاحية على رغم ما يبيع أهل السلطة دول الخارج التي لا تزال تضغط لمنع تزايد الانهيار. ويكشف مصدر سياسي مطلع أننا لا نزال ندور في مكاننا وأيّ كلام آخر هو للتعمية وإيهام الخارج عبر الرأي العام غير الموجود والذي اضمحلّ بعد الانتفاضة، بأن كل شيء يسير الى الأمام فيما ذلك ليس صحيحاً. وحتى حين يبيع المعنيون الخارج ‒ أكان صندوق النقد أم سواه ‒ قانوناً إصلاحياً ما، كقانون الشراء العام مثلاً الذي استغرق أكثر من سنة من العمل والاستشارات الدقيقة، فإن أيّ مؤشر لا يعطى على إعداد العمل للبدء به في تموز المقبل. فما هو أكثر فداحة من عدم الرغبة في الإصلاح أن لا رؤية سياسية في ظل انشغال أهل السلطة بحسابات لا صلة لها بمصلحة لبنان وإنقاذه أو بمصلحة أبنائه.

في المؤشر الذي بدأت طلائعه في إعلان الترشيحات للانتخابات النيابية المقبلة، سجّل مراقبون على الأقل منحيين: الأول عبّر عنه “حزب الله” بالإصرار على إعادة ترشيح نوابه في ما قرأه هؤلاء تعبيراً لا عن وثوقه بهم بل عدم ملاقاة الانتفاضة الشعبية بالحدّ الأدنى من تطلعاتها، علماً بأنه كان من أشد المنتقدين لها والرافضين لها وحتى غير المعترفين بصدقية من تعبّر عنهم ما دام هؤلاء رُموا بالعمالة للسفارات الاجنبية.

ومع أن التغييرات في بعض الأسماء في الأحزاب أو التيارات لا تتصل غالباً برغبة في ملاقاة مزاج شعبي أو السعي الى تمثيل فئات معيّنة كالشباب أو المرأة مثلاً، فلا أهمّية لتغييرات لا تكون تعبيراً عن تغيير فعلي في ظل كتل حديدية الطابع. المنحى الآخر يعبّر عنه احتمال إجراء بعض التعديلات في أسماء المرشحين لكن على ما يقول بيت عتابا تاريخي “حبوا علينا بس حبوا مثلنا” أي أن يؤتى بمرشحين أفضل على الأقل ممّن كانوا في المجلس النيابي الحالي الذي شمله الناس من ضمن الاعتراض الرافض لكل الطبقة السياسية. ومع الاخذ في الاعتبار أن الاحزاب أو التيارات لا تبحث عن برنامج تعرضه على اللبنانيين من أجل انتخابها أو عن رؤية للبنان بل عن حواصل انتخابية ليس إلا ما يستبعد النساء في الدرجة الاولى علماً بأن إتاحة المجال أمام ترشيح النساء مطلب دولي ملحّ لأنه يعكس مدى تأخر لبنان وعدم تطوّره لا سيّما بين دول المنطقة، فإن هذه العوامل تثبت مراوحة القوى السياسية في محاولة عدم إدخال أو السماح بأي تغيير مهما كانت طبيعته. وقد برزت ترشيحات بمثابة تحدٍّ مقصود ومتعمّد للبنانيين واستهانة بكل الاتهامات التي يسوقها أهل السلطة أنفسهم عن تهريب الاموال الى الخارج التي أسهم بها بعض المرشحين أو الاتهامات بالفساد أو العمالة للخارج. ولا خجل ولا أيّ اهتمام بكل هذه الاعتبارات إن كانت تؤمن فوز أهل السلطة أنفسهم. وهذا يعبّر عن مدى الاستهانة باللبنانيين وإرغامهم على القبول بلوائح من المرشحين لا قبل للمجتمع المدني الذي لم يثبت قدراته على التصدّي لها ولا للشعب الذي افتقر كذلك، الذهاب الى بدائل لها.

تبدو الانتخابات في ظل هذه الفوضى جزءاً من مشهد متكامل يتضاءل فيه الأمل بحصول أيّ تغيير. فلبنان غدا على الأقل حتى إشعار آخر: ساحة صراع إقليمي ودولي يستخدمه البعض لتحسين أوراقه أو تعزيز مواقعه فيعلق كل الآمال على عودة الى العمل بالاتفاق النووي لعلها تخفف من عامل التوظيف الذي يشكله لبنان على هذا الصعيد. ساحة لجوء في ظلّ العدد الهائل من السوريين وسواهم الذين بات لبنان يستقبلهم فيما يرجّح بقاؤهم في ظلّ توظيفهم من النظام السوري ورقة مساومة في أحسن تقدير وإبعاداً نهائياً لهم وعدم رغبته في عودتهم بما يلبّي مستقبلاً طموحاته التاريخية بلبنان في شكل أو في آخر. كذلك أضحى لبنان ميداناً لقوى طامحة لتغيير هويّته ونظامه مستخدمة التعطيل وراء التعطيل في إطار المطامع الخاصة والمصالح الشخصية، ما قضى على اقتصاده وواقعه وموقعه.

لا ينقص لبنان حرب كارثية على غرار الاجتياح الروسي لأوكرانيا فتزداد مصائبه لأنه لا رؤية لدى القيّمين على السلطة ولا مبادرة بل مجرّد ردّ فعل دائم على نحو يبعث على اليأس لأنه لا أفق للبنان في ظلّ منحى التشبث بعدم الإصلاح وعدم التغيير باستثناء الخطابات التي تُدبَّج أمام الوفود الأجنبية التي سبق أن فوجئت بواقع استمرار عدم وجود خطة للإنقاذ، فيما يستمر الانهيار منذ ما يزيد على السنتين. تظهر الانتخابات النيابية في ظل ذلك محطة لإعادة تثبيت قوى السلطة سلطتها واستعادة شرعية لم تعد متوافرة لها علماً بأنها تستمر في التصرف من دون رادع بمستقبل اللبنانيين.

 

روزانا بومنصف – النهار