بوتين يلحس تهديداته النووية؟

في تحليل مميز لتهديد الرئيس فلاديمير بوتين بوضع ترسانته النووية في حال تأهب، يقول ستيف روزنبرغ من “بي بي سي” ان بوتين لم يكن يتصرف كزعيم للكرملين إنما كزعيم للكوكب، ويذكّر في هذا السياق بقول بوتين تكراراً: “اذا لم توجد روسيا فما حاجتنا الى الكوكب”، وايضاً بما سبق للزعيم الروسي ان قاله عام 2018 من انه اذا فكّر احدهم في تدمير روسيا فستكون كارثة على الإنسانية والعالم، ومن موقعي أقول “ما حاجتنا الى عالم ليس فيه بلادنا؟”.

طبعاً كان الرد الأميركي والغربي على غزو أوكرانيا والمضي في تدميرها، وعلى التهديد النووي لبوتين، الذي ترك علامات المفاجأة والاستغراب حتى على وجه وزير دفاعه سيرغي شويغو، تبريد الخطاب العسكري والإنصراف الى أمرين مهمين: رصّ صفوف حلف شمال الأطلسي، وترتيب الإجماع على سلسلة العقوبات الاقتصادية التي بدأت تعطي مفعولاً فورياً تقريباً في موسكو، فلم يكن قليلاً مثلاً ان يعلن “سبير بنك” وهو اكبر مصرف في روسيا بعد 24 ساعة فقط انه يعتزم إشهار افلاسه مع انه يملك 185 فرعاً ويوظّف أربعة آلاف شخص تقريباً وبميزانية تتجاوز 13 مليار يورو.

كل هذا في وقت كانت طوابير المواطنين امام المصارف في روسيا تتجاوز طوابير الدبابات المتجهة الى كييف، وكانت التظاهرات تتزايد في الشوارع ضد الحرب التي بدأت تصطدم بمفاجآت لم يتوقعها بوتين الذي ربما كان يفترض أنه سيكون في نزهة، لكن الأوكرانيين استبسلوا في المقاومة رغم التدمير المنهجي الذي ألحقه القصف الروسي بمدنهم الرئيسية.

وكانت المفاجآت تتسع عندما بدا بوتين كمن يقدم خدمة للغرب، تمثلت بأنه وحّد خصومه الغربيين في صف واحد، بينما كان الكرملين يراهن على انقسامات بينهم من منطلق الآثار العكسية للعقوبات عليهم، وفي السياق لم يبالغ وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن عندما قال إنه لم يرَ حلف الأطلسي أكثر اتحاداً وعزماً مما هو عليه الآن.

وكانت قمة المفاجآت موافقة المانيا على وقف خط انابيب غاز “نورد ستريم 2” وإعلان المستشار أولاف شولتز امام البوندستاغ قرار المانيا الإنفاق بنسبة إثنين في المئة من ناتجها المحلي على أمنها الدفاعي رداً على التصعيد العسكري الروسي على أبواب أوروبا، أي زيادة عشرين مليار يورو إضافة الى مئة مليار يورو لإعادة تسليح الجيش الهرم الذي بقي متراجعاً منذ الحرب العالمية.

كان واضحاً قبل تصريح سيرغي لافروف مساء الأربعاء، ان الكرملين يحاول ان يتجاوز تهديد بوتين بالنووي، الذي أثار الإستياء في روسيا قبل دول العالم، عندما حاول الكرملين تبرير كلام بوتين بأنه جاء رداً على تحذيرات اوروبية من ان تقدم روسيا في اتجاه أوكرانيا، قد يؤدي الى اشتباك مع “الناتو”، وها هو لافروف يكرر في مؤتمر صحافي إتهام اميركا والغرب بالتخطيط لحرب واذا اندلعت فستكون نووية، رغم توضيحات الرئيس جو بايدن رداً عليه، “ان الحرب ستكون نووية من دون شك، ولكننا لن نسمح لأي استفزازات بان تخرجنا عن ارادتنا وتدفعنا الى شنّ الحرب”.

واضح ان الكرملين يحاول ان يلحس تصريح بوتين عن السلاح النووي، ولهذا لم تجد الناطقة باسم الخارجية ماريا زاخاروفا امس غير إذاعة في كولومبيا بسبب المقاطعة الغربية، لتحاول ان تعكس الوقائع الواضحة امام العالم، بالقول ان روسيا لا ترغب في الوصول الى سيناريو الضغط على الزر النووي تحت أي ظرف، متهمة العالم بأنه “يخلط ما بين روسيا وبين الولايات المتحدة، فلم تتحدث روسيا الإتحادية عن ذلك ابداً”، بما يعني ان بوتين بدأ يحس بوجع العقوبات ويريد فعلاً لحس تهديداته النووية!

راجح خوري – النهار