بلا توقيت… في مواجهة التوحّش؟!

تثير آخر موجات التفلت والفوضى المتصلة بالأزمات الدائمة التي باتت تعتصر اللبنانيين وتحوّلهم الى “وقود بشري” على مذبح دولة تنهار تباعاً، تساؤلاً ملحّاً عمّن تراه سيسبق الآخر: الموعد المحدّد المعلوم للانتخابات النيابية أم الموعد المجهول المحتمل في أيّ لحظة لذاك الجرف الأكبر في الانهيار الذي سيطيح كلّ شيء بما في ذلك الانتخابات؟

لا يتّصل هذا التساؤل بأيّ رهان ساذج بعد الآن على انتفاضة متجدّدة مماثلة لتلك الانتفاضة الاجتماعية قبل ثلاث سنوات التي انتهت بنا الى “أمّ الخيبات”، بل بمعاينة طبيعة تلقي اللبنانيين لما يمكن أن يشكّل تتويجاً لاستهداف المواطن فيهم بكمّ خيالي غير مسبوق في أيّ بلد شهد أسوأ الانهيارات إطلاقاً.

في الأيام الأخيرة من المقلب المطلّ على مرحلة تتفاقم فيها الأوضاع المعيشية والاجتماعية والخدماتية والمالية، سجّلت وتسجّل سقوف محدثة في إجبار اللبنانيين على التكيّف المتوحّش معها، بحيث بتنا نقف عند أعتاب اكتمال كل العوامل التي تخيفنا من مجاعة حقيقية شاملة هذه المرة وليس فقط تصنيف اللبنانيين بأنهم صاروا من أكثر الشعوب فقراً في العالم. كان ينقص اللبنانيين إخضاعهم لموجات الجنون التي تزجّ بهم في مواجهة بعض القضاء التابع للعهد مع كارتيل المصارف فيما الناس هم الضحايا الأولى لكل التفاهة السياسية التي سحقت القضاء من جهة مثلما هم رهائن شراهة وتوحّش المصارف من جهة ثانية. وإذ بدا القضاء مرّة أخرى، للأسف الشديد جداً، مستتبعاً وخانعاً على نحو دراماتيكي أمام عتاة السلطويين القابضين عليه والمتحكمين “بأجنحته”، فلم يعد غريباً أن يصحّ التخوّف على إطاحة واقع العدالة كلاً في لبنان بدءاً بإطاحة التحقيق العدلي في انفجار العصر في مرفأ بيروت.

بالمواكبة الحثيثة لهذا الفصل الانهياري الإضافي تحت وطأة الفوضى القضائية المصرفية، ولا نقول المواجهة فقط، تقترب معالم أزمات المحروقات والكهرباء والطاقة وكل ما يتفرع عنها من مشتقات حيوية وأساسية في يوميات الناس ومن انعكاسات على الأسعار كافة من اشتعال جنوني سيقضي على بقايا البقايا من قدرات اللبنانيين في مواجهة هذا الجنون الفالت من كل الضوابط. والحال أن الاستهانة المرعبة التي تتسم بها فوضى أزمات المحروقات المتعاقبة وسط أسوأ أزمة طاقة عرفها بلد في العالم باتت تشكل النذير المتقدم بأن الفترة الفاصلة عن الانتخابات النيابية لن تكون إطلاقاً فترة “أمان” سلمي بل لعلها ستكون الفترة الأشدّ خطورة في تفلت فوضوي لم نشهده سابقاً.

حين يتحرك عسكريون ومتقاعدون في اعتصام أمام مصرف أو معمل لإنتاج الكهرباء عليكم أن تفهموا معنى هذه الطلائع الخطرة لأنها لن تقف عند حدود تحركات سلمية كهذه لاحقاً. وحين يغدو الكلام مباحاً عن تسعير البنزين كما المازوت كما الغاز بالدولار الفالت في الأسواق السوداء المفحمة كوجوه طبقة باتت فاقدة الشرعية والمشروعية بعدما تسبّبت بانهيار لبنان، حينذاك توقعوا أسوأ شغب عرفه لبنان منذ اشتعال الشوارع والساحات فيه قبل ثلاث سنوات.
هذا السخف الخيالي الجاري تداوله حول صراع الطبقة السلطوية في شأن أركان القضاء وحاكمية مصرف لبنان والقضاة “النجوم” في حرب داحس والغبراء وكل ما يمت بصلة الى حروب المواقع السياسية التافهة لهذه الطبقة الساقطة لن يعني شيئاً لأي لبناني متى انفجرت لديه بقايا البقايا من الصمود والتكيّف القسري مع كل هذه الوحشية. ولعلنا دخلنا هذه المرحلة من دون إعلان!

 

نبيل بومنصف – النهار