الموت يخطف ميشال مكتّف: فقدنا رجل المرحلة!

غيَّب الموت يوم الجمعة في 18 آذار 2022 الأخ ميشال مكتّف المناضل الوطني السيادي المعروف وناشر صحيفه «نداء الوطن».

ما ينبغي ان نقوله للأخ ميشال، أمام هول الفاجعة، اننا نعرف تماماً رأيك وموقفك بأنّك ترفض كلام المديح فيك، ولك، وعنك، حتى بعد الوفاة، والسبب في ذلك واضح ومتّصل بخلقيّتك العالية التي ترى وتعتبر أن كل ما قمت به، وما كنت تود أن تقوم به، هو واجب عليك، وجزء من صلب إيمانك ورسالتك ومحبّتك لشعبك ووطنك، وتعبير عن إلتزامك الاخلاقيّ والفكريّ بالعمل على ترقّي الحياة وخدمة الخير العام.

.. ومع ذلك، إسمح لنا أمام نعشك وذكراك ان نتخطّى حاجز تواضعك وان نشهد للحقيقه فيك، ولك، وعنك، لأنّ الشهادة للحقيقة واجب علينا حتى وإن كانت الكلمة صغيرة في حضرة الرجال الكبار. فما الذي نراه ونعرفه فيك؟ وما الذي يقال عنك؟ وما هي المكوّنات النفسيّة والاخلاقيّة والثقافيّة التي جعلت منك الرجل الرجل، بل أحد رجال المرحلة في تاريخ لبنان المعاصر؟

هذه بعض مكوّنات شخصيّة ميشال مكتّف كما تبدّت في حياته وأفكاره ونشاطاته وخياراته الحياتيّة والإيديولوجيّة والوطنيّة:

1- هو رجل رؤية. وهي السمة الأولى أي الميزة التي ينبغي ان يختزنها ويتحلّى بها كل انسان مسؤول يتعاطى بالشأن العام. فقد صاغ حكماء أثينا قاعدة أساسيّة لكل صاحب مسؤولية وهي «أن يرى صحيحاً وأن يرى بعيداً»، فلا يمكن مقاربة الأمور وايجاد الحلول لها إلّا بعد فهم عميق وصحيح لطبيعتها. أكثر من ذلك فعلى رجل السياسة ان يتحلّى بما يسميه فريدريتش راتزل ابو الجيوبوليتيك المعاصر، بالقدرة على التوقّع. وهو ما عمل بوحيه ميشال مكتّف في السياسة والاعمال والاعلام.

2- هو رجل بدايات. فهو ليس استمراراً أو إمتداداً لتراث عائليّ أو طائفيّ أو محليّ. بل هو انسان انطلق من قلب ذاته. من رصيده الشخصيّ ومن غنى هذا الرصيد الذي زادته التجربة وثوقاً وصلابة ومصداقيّة.

وعليه، فإنّ إحدى مميزات ميشال مكتّف أنه لم يكن تتمّة لغيره بل كان بدايةً لسواه.

3- هو رجل تأسيس. لأنّه رجل بدايات، فالعلاقة واضحة بين الميزتين. ذلك ان سمة البدايات تستدعي حكماً سمة التأسيس. إنها الدخول في عمارة البناء والنظام وعدم الاكتفاء بالطروحات النظريّة والتصوّرات الخيالية. إنها الشروع في إرساء المؤسسات: ثقافية كانت أم مالية أم اعلاميّة فهي تتساند لترسخ بنيان الكيان الذي يسعى لتحصينه، وهو هنا بالتأكيد بنيان الكيانيّة اللبنانيّة.

4- هو رجل ثقة وريادة. بشهادة كل من عرفه او تعرّف عليه. فلقد حفظ حقوق الناس والمؤسسات في أشدّ الأوضاع صعوبة. فاستحقّ ثقه المواطنين والمؤسسات الداخليّة والخارجيّة، فكان رائداً في ميادين الأعمال والمال والسياسة والاعلام.

5- هو رجل ايمان والتزام. ايمان بربّه وشعبه ووطنه وجميع القيَم التي يقوم عليها هذا المثلّث. والالتزام بالعمل لها بكل الطاقات وطوال الحياة. واذا كان هناك ما يأسف عليه ميشال مكتّف فهو قصر عمره الذي لم يمنحه الزمن الكافي لتحقيق كل آماله وأحلامه، حتى ولو كانت المدة التي عاشها حافلة ومليئة بالإنجازات الوطنيّة والانسانيّة.

واذا كان لنا ان نصنّف طبيعة التزام ميشال مكتّف بالاستناد الى مسار حياته لقلنا إنه التزام اخلاقيّ ثقافيّ وطنيّ دائم ومستمرّ ترعاه وتظلّله الواقعيّة التاريخيّة.

كل هذه القيَم كانت بحاجة الى صوت يعبّر عنها. كانت بحاجة الى نداء يترجم واقعها ومأساتها. مأساة لبنان وشعبه المظلوم والمقهور والمعذّب.. فكانت «نداء الوطن» ترجمة واقعيّة وتاريخيّة لما نحن فيه، ولما ينبغي ان نفعله لنخرج من السقطة التاريخيّة التي هدّدت وتهدّد وجودنا التاريخيّ، ان التأمّل اللغويّ والمعنويّ في العنوان يعطي صورة عما هو مطلوب. وذلك اننا نكاد نكون في سبات عميق ونحن بحاجة الى «نداء» يوقظنا وينبّهنا ويوجهنا الى ما فيه خيرنا ومستقبلنا ومصيرنا!

وقد تولى ميشال مكتّف مهمة اطلاق هذا النداء في آذان وعقول وقلوب كل اللبنانيين، والمعنيين بأمر لبنان، إنّه التعبير الأمثل عند نداء قلبه وعقله وضميره. ولقد شاءه مرجعاً لكل نضال، ولكل مقال، ولكل شورى، ولكل ما يشفي القلب والعقل والإحساس والبال.

.. بالأمس القريب رحل ميشال مكتّف وقلبه الأبيض مكفّن بثلج لبنان الأبيض، حاملاً لنا وللعالم نداءه الأبيض في ثنايا نواياه البيضاء، إنّه نداء الوجود عبر «نداء الوطن».

.. نداء الوطن إليك، إلى روحك الطاهرة

كي يبقى لنا الصوت والنداء

وكي يظلّ لنا وطن!

 

د. نبيل خليفه – نداء الوطن