المشهد السوريالي: وزارة الطاقة تُحاكم سلامة

عندما تم التجديد لحاكم مصرف لبنان في أوائل عهد الرئيس ميشال عون، كان الجميع يتساءل عن الثمن الذي قبضه العهد، لتمرير هذه الصفقة بسلاسة ما بعدها سلاسة، ويبقى البحث عن الثمن في التحقيق الذي يفترض أن يحصل في طبيعة الهندسات المالية التي استفادت منها المصارف.

كان سلامة يزور بعبدا قبل العام 2019 بوتيرة أسبوعية، ويخرج ليؤكد متانة الليرة من على باب القصر، لا بل ان سلامة حظي بدعم كبير من فريق عون، ولا تزال المواقف بالصوت والصورة للمستشار سليم جريصاتي والنائب ألان عون شاهدة على العلاقة الجيدة بين عون وسلامة، تجاوزاً للوساوس العونية المستمرة من استرئاس سلامة الدائم، وقدرته على تشكيل شبكة علاقات دولية، وسلسلة علاقات داخلية، لا تبدأ بـ»حزب الله» وحلفائه ولا تنتهي بهم.

مشكلة عون مع سلامة لم تكن يوماً مشكلة بين من يريد فرض انتظام عمل المؤسسات، ومن يكرس من خلال موقعه إدارة سيئة للقطاع المصرفي والمالي. مشكلته ان الشبق للاستحواذ على المواقع الاساسية في الدولة، لا تستثني حاكمية مصرف لبنان. فهذا الموقع يريده عون كضمانة لجبران باسيل، في مرحلة ما قبل الاستحقاق الرئاسي وما بعده.

لهذا يبدو المشهد سوريالياً الى درجة عجائبية. حاكم للمصرف المركزي ادار طيلة ثلاثين سنة سياسة نقدية ارتكزت على الاستدانة والمزيد من الاستدانة، كل ذلك في خدمة منظومة سياسية فسادها لا يشبع، وفريق شارك في السلطة، منذ العام 2008 ، فأثبت بجدارة براعته في تخطي من تعاقبوا قبله وتناوبوا على تكريس مفهوم النهب المنظم والوقح لكل ما تطاله أيديهم. هذا هو مشهد وزارة الطاقة وبواخرها، تحاكم رياض سلامة شريك المنظومة، هو مشهد من وظف عشرات آلاف المحاسيب في الدولة، بكلفة هائلة، ينصِّب نفسه قاضياً، على من وافق على إمداده وغيره بالسيولة اللازمة من اموال اللبنانيين المهدورة.

حتى الأمس القريب فريق عون يمتنع عن تخطي الخطوط الحمر في العلاقة مع الحاكم، لعلمه أن الاخير يستفيد من وجود إرادة دولية ببقائه، ليس تفضيلاً له على من يمكن ان يصحح أخطاء السنوات الثلاثين الماضية، بل لأن الفراغ في حاكمية مصرف لبنان يعني الانتقال السريع الى تعيين حاكم ينتمي الى فريق عون، اي الى «حزب الله»، وهذا ما يمكن ان يعرّض النظام المصرفي اللبناني لعقوبات تضعه في حالة شلل، وليس سراً ان السفيرة الاميركية حذّرت عون في آخر زيارة لها الى قصر بعبدا من التعرّض لسلامة.

وعلى ما يبدو، فإن عون وجد في ملاحقة سلامة والمصارف، فائدة جمة في مرحلة ما قبل الانتخابات النيابية. فهذه الملاحقة التي ترفع عنوان محاسبة اختلاس المال العام واستعادة الودائع، باتت حلقة اضافية من حلقات الشعبوية التي احترف عون استعمالها، منذ العام 1988 والى اليوم. فهو يضع شعاراً براقاً للانتخابات، من دون ان يقدم دليلا ولو بالحد الادنى الى القدرة على ترجمة هذا الشعار الى واقع، لا بل ان نتائج هذه المواجهة قد تؤدي في قضية الودائع الى جعل حياة اللبنانيين اكثر استحالة.

يخوض حليف «حزب الله» المسيحي مواجهة مع حاكم المصرف المركزي، الذي يتكئ هو ايضاً على دعم حلفاء «حزب الله» وشركائه في السلطة، وهذا ما يستنتج منه ان مسار هذه المواجهة يحدده في النهاية الطرف الذي يوزع الادوار على حلفائه، فالحزب لا يمانع بأن يذهب عون في شعبوية حملته حتى 15 أيار، وهو في المقابل لن يجاريه الى حد اضطرار الرئيس ميقاتي الى الاعتكاف او الاستقالة، ولا إلى حد إحراج الحليف الشيعي نبيه بري، وإجباره على ان يشمّر عن ساعديه لمنع باسيل من تعيين حاكم موال للمصرف المركزي.

يترقّب سلامة حدود اللعبة الجارية حالياً، متسلحاً بكم هائل من المعلومات التي تدين خصومه، وكلها أصبحت خارج لبنان. يتسلح بالتحفظ بانتظار الوقت المناسب الذي قد لا يأتي عما قريب. احد اسلحة بقائه، الخشية الدولية من الفوضى الشاملة، أما على هامش المشهد السوريالي الذي يتخذ شكل تصفية حساب بين أركان المنظومة نفسها، فتشتدّ المجزرة التي ترتكب بحقّ اللبنانيين وحشية.

 

أسعد بشارة – نداء الوطن