الكيان الموازي: نسخة سريّة عن “المستقبل”

“الكيان الموازي” هو مصطلح سياسي أُطلق في تركيا على “جماعة الخدمة” أو “جماعة فتح الله غولن” في أوائل العقد الماضي، واكتسب شهرة عالمية غداة محاولة الانقلاب الفاشلة على الرئيس التركي رجب طيّب إردوغان وحكومته في تموز 2016.

هذا المصطلح الذي صاغه المؤرّخ الأميركي روبرت باكستون لوصف التنظيمات التي تشبه كيان الدولة، أُطلق على جماعة غولن نظراً إلى تغلغل أعضائها داخل أروقة الدولة ومؤسّساتها، وقدرتها على التأثير في قرار الدولة من أجل أهدافها الخاصة.

لكنّ هذه الأفكار ليست حِكراً على تركيا، فهنالك الكثير من الكيانات الموازية في العديد من الدول، كما في لبنان حيث يوجد عدد هائل منها داخل الدولة، وأيضاً داخل المؤسسات الدينية والأحزاب والتيّارات السياسية. ومن هذه التيّارات تيّار المستقبل الذي أنشأ أمينه العام كياناً حزبياً موازياً مرتبطاً به مباشرة، وما إعلان هيثم مبيض عن ترشّحه في طرابلس إلا أحد إرهاصاته.
مسرحيّة انتخابيّة

منذ بداية صعوده داخل تيّار المستقبل، عمِل أحمد الحريري على إنشاء تنظيم موازٍ داخل التيّار يدين له بالولاء. استفاد الحريري من الفترة التي أشرف فيها على قطاع الشباب الزاخر بالمواهب “الخام”، كي ينتقي منها ما يناسب أهدافه، وليقوم بتنصيبها في المواقع الحزبية التي كان يعمل على إقصاء شاغليها من الحرس القديم، إلّا مَن ارتضى منهم الانضواء تحت جناحه، وفرض تعيين رجاله في المنسّقيّات المناطقية والهيئات الحزبية ومكاتب السياسيين.

في موازاة ذلك، عمِل الأمين العام على إرساء أيديولوجيا حزبية داخل أروقة التيّار، أفصح عنها ذات مرّة عندما قال: “لا صوت يعلو فوق صوت سعد الحريري”. ولأنّ الرئيس الحريري ليس لديه الوقت الكافي لتيّاره بسبب انشغاله التامّ بالسياسة، كان الأمين العام هو فعليّاً صوته داخل التيّار”.

وفي المؤتمرالتنظيمي الثاني لتيار المستقبل أواخر العام 2016، أحكم الأمين العام قبضته على قرار التيّار عبر انتخابات “شكليّة” لمكتب سياسي جديد، إذ وزّع أعوانه على المؤتمِرين اللائحة المحظيّة التي يجب وضعها في صندوقة الاقتراع. حتى الأعضاء المعيّنون من قبل الرئيس الحريري، كانت بصمة الأمين العام واضحة في اختيار معظمهم.

 

أيديولوجيا الخيانة

بعد ذلك استخدم الكيان الموازي الأيديولوجيا الولائية لإبعاد كلّ الشخصيّات، حزبية كانت أم غير حزبية، التي تُصنّف ضمن خانة “الصقور” أو “العقول”، واحداً تلو الآخر من حول الرئيس الحريري: مجموعة العشرين التي شكّلها الرئيس السنيورة، عقاب صقر، نديم قطيش… واللائحة تطول. كان المعيار المتّبع لإبعاد هذه الشخصيّات واحداً لا ثاني له: الخيانة. فكلّ انتقاد أو رأي أو نصيحة للرئيس الحريري، كان الكيان الموازي يشنّ حملة تخوين على صاحبها في أذن الرئيس، وفي أوساط المحازبين.

لم يكنْ الكيان الموازي هذا قاصِراً على أعضاء وقيادات داخل تيّار المستقبل، بل ارتكز بشكل كبير على جيش من رموز الشارع ورجال الأرض، والمفاتيح الانتخابية، بالإضافة إلى عدد من رجال الأعمال الطامحين إلى كرسي في السلطة، أو الذين كانوا بحاجة إلى نفوذ التيار لـ”تسليك” أمورهم في مؤسسات الدولة.

وقد نما هذا الكيان الموازي وكَبُرَ على حساب التيّار الذي تحولّت منسّقيّاته إلى مكاتب خدمات لأعضائه حصراً، فكان من الطبيعي أن يشهد التيّار انسحاب نخب كثيرة بعد تعرّضها للتهميش والإقصاء. وحينما كان موظّفو التيار والمؤسسات الشقيقة يعانون من انقطاع في الرواتب، كان أعضاء الكيان الموازي يحصلون على مساعدات ومخصّصات من الأمين العام تصلهم إمّا باليد، أو عبر “ويسترن يونيون” كي لا يعلم عنها موظّفو المستقبل شيئاً.

 

حملة بأهداف كثيرة

أمّا حملة التخوين الشعواء التي أطلق لها الأمين العامّ العنان عقب إعلان السنيورة عن مبادرته لجمع الصفّ السنّيّ، فعدا عن كونها تطبيقاً عمليّاً لأيديولوجيا الخيانة، فإنّها ترمي إلى إفشال حِراك السنيورة وتعريته جماهيرياً أوّلاً، وإحراج الشخصيات التي يتواصل معها ثانياً عبر وضعها تحت ضغط رهيب من الجمهور والأصدقاء، وحتى داخل العائلة، لدفعها إلى رفض التعاون مع السنيورة وإلّا فسيف التخوين سيطولها أيضاً كما حصل مع د. مصطفى علّوش.

ومن جانب آخر، استغلّ الأمين العام مبادرة السنيورة للضغط على المنسّقين الحاليين والسابقين، وخاصة في الشمال، لاتّخاذ مواقف علنيّة بالالتزام بمقاطعة الانتخابات.
وهنا مكمن الخطورة، فقد بدأت ترتسم ملامح صراع انتخابي في عكّار وطرابلس وبيروت، بين أجنحة المستقبل، أو بين المؤسّسين والكيان الموازي، مع ما لهذا الصراع من انعكاسات على الساحة السنّيّة التي تغلي كالمِرجل. وإذا كان الهدف من الحِراك السنّيّ هو التصدّي لاختراقات حزب الله، فإنّ هذا الصراع سيقدّم له خدمة جليلة قد تجعله “سيّداً” على الساحة السنّيّة مع حلفائه، وتلك خدمة لن ينساها الحزب إيّاه أبداً، كما لم ينسَ صنيعاً شبيهاً مع الجنرال ميشال عون أوصله إلى بعبدا.

 

سامر زريق – أساس ميديا