القضاء “المسيّس” غير المقنع للخارج أيضاً

نقلت الزميلة رندة تقيّ الدين عن مصدر فرنسي رفيع حول ملاحقة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، أن رئاسة البنك المركزي في لبنان موقع بالغ الحساسية وهو أساسي للبنان ومن الخطأ حالياً ملاحقته خصوصاً أنه ليس هناك في كل المعلومات السلبية الآتية من لبنان ومن الخارج دليل قاطع، وفي أوروبا هناك مزاعم دون أدلة قاطعة، ولأن ملاحقة حاكم المركزي في لبنان واستبداله يعقد الأمور أكثر ممّا يحلّ القضيّة اللبنانية التي هي بحاجة الى المفاوضات مع صندوق الدولي والتي يجب أن تتقدّم ليحصل لبنان على دعم فرنسا، وجهودها مع السعودية تصبّ في خانة إقناع الأخيرة بدعمه عندما تتقدّم المفاوضات مع صندوق النقد الدولي.

هذا الموقف يأتي متطابقاً الى حدّ بعيد مع موقف أميركي سبق أن أوضحت مصادره لـ”النهار” أن كل الحملات والإدانات الإعلامية لرياض سلامة لا تحمل دلائل فعلية تثبت الاتهامات التي يسوقها أصحاب هذه الحملات. ولذلك قاربت واشنطن، ولا تزال، العلاقة مع القطاع المصرفي في لبنان وحاكمية المصرف المركزي من زاوية مختلفة كلياً عن تلك التي يعتمدها أهل السلطة في لبنان وهي لم تخف ذلك، واستكمل الديبلوماسيون الأميركيون الزوّار في كل مرّة قائمة لقاءاتهم التي لم تسقط حاكم المصرف المركزي منها بل على العكس. حصل ذلك منذ أشهر طويلة ولا يزال مستمراً فيما تستمر السلطة في معاركها نفسها. وذلك علماً بأن مصادر سياسية تتحدث عن معطيات تفيد أن الحماسة الفرنسية لسلامة في العامين الماضيين لم تكن موجودة بل كانت بعض دوائرها متحفظة إزاءه فيما دوائر أخرى أكثر حماسة ولكنها كلها لم تكن ترقى الى مستوى الموقف الأميركي. ويبدو أن اقتراب الفرنسيين من الموقف الأميركي على هذا الصعيد وتبنّيه يتصل في الدرجة الأولى بواقع أن الهاجس الرئيسي يجب أن ينصبّ على إنجاز التفاوض مع صندوق النقد الدولي، ما يضع لبنان على سكّة الإنقاذ لأن لبنان يتجه من مرحلة الانهيار الى مرحلة الارتطام المخيف إذا استمرّ على هذا المسار من إدارة شؤون البلد، فيما على الصعيد السياسي يستمع الفرنسيون كما سواهم الى أن رئيس الجمهورية لا يستطيع أن يعيّن حاكماً جديداً للمصرف المركزي يؤمن استمرارية نفوذه أو بالأحرى نفوذ تياره في السلطة بعد انتهاء ولايته ويعطيه مسبقاً ورقة ضغط مهمّة في يده بحيث يلزم الرئيس المقبل للجمهورية بحاكم للمركزي قد لا يتمتع بثقته. ويعرف أهل السلطة جيداً كلاً من الموقفين الأميركي والفرنسي وكذلك مواقف دول أخرى ترى أن سلامة سيواصل القيام بدوره حتى نهاية ولايته على الأرجح ولا سيما في ظلّ التوقعات بحكومة تصريف للأعمال بعد الانتخابات النيابية وربما بفراغ رئاسي شبه مؤكّد بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون.

المغزى من هذا الكلام، رغم إدراك أهل السلطة هذه المواقف وفي ظلّ اقتناع خارجي بعدم وجود أدلة تدين سلامة على غير ما يُسوَّق داخلياً وخارجياً، وبغضّ النظر عن القدرة على بناء قضيّة ضدّ سلامة ومسؤوليته في إدارة مالية وتغطية للسلطات المتعاقبة أسهما في الوصول الى الانهيار الحالي، أن ثمة حروباً صغيرة يواصل أهل السلطة القيام بها لاعتبارات ومصالح خاصة بعيداً من الاهتمام بمفاعيل هذه المعارك لا على الوضع المالي ولا الوضع الاقتصادي ولا حتى على وضع السلطة القضائية التي باتت فاقدة للصدقية نتيجة تحرّكها وفق وتيرة أهل السلطة وحساباتهم، إضافة الى انعكاسات كل ذلك على اللبنانيين ومصالحهم، وهم يهدفون من وراء معاركهم الى تحصيل أثمان على طريقة لعب البلياردو حيث يكون التصويب على كرة في اتجاه كرة أخرى يرمي الى إسقاط أكثر من واحدة وتحقيق أهداف أخرى، ومن أهم هذه الأهداف التصويب على هدف في معركة دعائية على الفساد في ظل عدم القدرة على محاسبة السياسيين والأحزاب والإلهاء عن الأسباب الحقيقية للانهيار ومن بينها سلاح “حزب الله” في تعزيز دويلته على حساب الدولة اللبنانية، وذلك برمي هذه الأسباب على كلّ الآخرين وعدم تحمّل أيّ مسؤولية، ولا سيما في ظلّ تحقيق نجاح لدى قسم من الرأي العام الذي يدفع الثمن الباهظ نتيجة ضياع أمواله وقد فقد ثقته بكل السلطة وأدواتها.

ولكن إن كانت كل الحروب متاحة في السياسة وفي الحملات الانتخابية، فإن القضاء في لبنان يكاد يسقط بالضربة القاضية نتيجة توظيفه سياسياً وانتخابياً لا فقط بالنسبة الى الداخل بل الى الخارج أيضاً وقد أصبح قضاءً غب الطلب.

ما يقلق بعض الدول التي لا تزال تهتم بلبنان هو أن يبقى لبنان قابلاً للحكم. فأياً كان من سيحكم فسيكون ملزماً بالانفتاح على دول مؤثرة في المنطقة وفي الخارج ولا سيما في ظل الوضع الانهياري الذي يستمرّ في التدحرج. وذلك فيما تشكّل الفوضى كابوساً حقيقياً إن لم تكن هناك مرجعية يستطيع أن يتفاهم الخارج معها أياً تكن هذه المرجعية. ولذلك فإن الهاجس هو تأمين مرحلة انتقالية من الاتفاق مع صندوق النقد في موازاة إعادة السلطة السياسية شرعنة نفسها عبر الانتخابات النيابية، فيما يقبل لبنان على فراغ في السلطة التنفيذية على مستوى الحكومة والرئاسة الأولى التي تفقد حكماً أي فاعلية لها في الأشهر الأخيرة من الولاية ومع حكومة تصريف للأعمال تبدو مؤكدة نتيجة الصراع المحتمل على الحصص في الحكومة بما فيها مطالبة رئيس الجمهورية الذاهب بحصّة تضمن استمرار نفوذه حتى بعد انتهاء ولايته إن لم يتمّ انتخاب رئيس جديد للجمهورية لأشهر طويلة كما حصل في 2014. وهو أمر من شأنه أن يمنع تأليف الحكومة بالحدّ الأدنى. ولذلك هناك تحسّب خارجي لهذه المرحلة المقبلة وتحذير من مطبّاتها على خلفية تأكيد الملحّ في هذه المرحلة ولا سيما الاتفاق مع صندوق النقد الدولي في شكل أساسي على رغم الاقتناع بأن الأمر لن يحصل على الأرجح على رغم كل الكلام المخالف.

 

روزانا بومنصف – النهار