القاضية عون تراجعت عن إجراءات قضائية ضد أحد المصارف

ماذا بعد ادعاء النائب العام الإستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة؟ هل من خطوات قضائية لاحقة ام ان الحكومة ستتلقف الموضوع وتأخذ المعالجات على عاتقها؟ وهل الحل سياسي ام قضائي ام ان أيّاً منهما لم يعد ممكناً امام كرة ثلج تهدد المنظومة المالية والسياسية برمتها.

رُبّ قائل ان إقالة سلامة لم تكن ممكنة بالسياسة فلجأوا الى القضاء. بعد الادعاء عليه بات من غير الممكن ان يشكل سلامة مصدر ثقة ولا سيما مع وجود شقيقه في السجن. لكن مَن البديل عن سلامة؟ لا يوجد. لان تعيين حاكم في عهد رئيس الجمهورية ميشال عون ممنوع سياسياً. هنا بدأ مسار جديد مبني على ارتكابات سلامة وشقيقه رجا الموقوف. توسعت القضية لتشمل الادعاء على المجلس المركزي لحاكمية المصرف المركزي بعدما تم الادعاء عليه من قِبَل «رواد العدالة» التي أُنشئت مؤخراً و»الشعب يريد اسقاط النظام».

غادة عون

الحل الوحيد الممكن قضائياً هو سحب مدعي عام التمييز الملف واسقاط الملاحقات. فهل يفعلها؟ الجواب سلبي بعدما ساءت العلاقة بينه وبين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الذي لم يمانع في تعيين بديل عنه، مع حزمة تعيينات قضائية اخرى بينها رئيس مجلس القضاء الاعلى سهيل عبود. لكن المحاولات مع المدعي العام لا تزال مستمرة ومن خلال اكثر من جهة. خلطة معقدة بلغت معها الاوضاع حداً من السوء لا تحمد عقباه. مصادر وزارية معنية قالت ان الازمة صارت أزمة قضائية مصرفية وقد بلغت مداها يقابلها عجز حكومي ورسمي عن المعالجة لغياب التوافق، كاشفة ان القاضية عون كانت بصدد اتخاذ خطوات تصعيدية واصدار قرار جديد بحق احد المصارف الكبرى، لولا تدخل المعنيين والتمني عليها عدم تأجيج الازمة اكثر. بالموازاة ابلغ رئيس جمعية المصارف مرجعية حكومية استياء اصحاب المصارف من تحولهم الى كبش فداء حيث يتم تصويرهم سبباً للأزمة، بينما اودعوا مصرف لبنان المبالغ التي كانت تطلب منهم، محذراً من ان المصارف لن تقف مكتوفة الايدي وقد تجد نفسها مجبرة على اتخاذ خطوات تصعيدية اكبر. وإذا نفذت المصارف خطواتها التصعيدية ومن خلال الاضراب التحذيري الذي نفذته امس واليوم وتكون قد سجلت سابقة بعدما امتنعت عن صرف الاموال لاصحابها، يعطي هذا القطاع الحق لنفسه بان يتصرف بأموال المودعين فيقتطع منها ويصرفها على سعر ادنى من سعر المنصة الذي يحدده مصرف لبنان ويتحدى القضاء ويتمرد على قراراته. لا توصيف اقل من جريمة تلك التي ترتكبها المصارف في تعاطيها مع المودعين.

غسان عويدات

وبتمرد المصارف على الدولة وعلى السلطة القضائية يكون النظام اللبناني قد بدأ ينهار بالتدرج. انهار الجانب الاقتصادي والمالي منه وسيتبعه حكماً النظام السياسي. هذا النظام الذي بني بتراكم ثلاثين عاماً وغذت خياراته المالية الخيارات السياسية، بات مهدداً بالسقوط ما استدعى استنفار اركان المنظومة.

تعطلت آليات المحاسبة واخطرها وهي منع الكابيتال كونترول ومنع التدقيق الجنائي واختفت ودائع الناس. تحرُّك بعض القضاة لكشف الحقائق إما نتيجة دعاوى او تحريك ملفات من الخارج، ضيّقت الخناق على الحاكم بصفته المسؤول عن حماية النقد اللبناني، ومعه الطبقة السياسية مع فارق ان هذه الطبقة لم تقسم على حماية النقد كما ورد في قانون النقد والتسليف. مستغرب ان ترد المصارف بالاضراب. المتعارف عليه ان الاضراب يكون للموظف في مواجهة رب عمله طلباً لحقوقه، اما في حال المصارف فهي تضرب في مواجهة المودعين. المصرف حين يعلن اضراباً تحذيرياً او مفتوحاً يكون بذلك قد ارتكب جرم التوقف عن تسديد اموال المودعين، بحجة ان الدولة اخذت اموال المصارف. هي قررت سحب ماكينة الاوكسجين عن المودع واوقفت تنفيذ تعاميم الحاكم. رغم كل ما يقال والتبريرات التي تقدم فكلّه لا يبرر خسارة الناس تعبها.

يعتبر مصدر سياسي على اطلاع واسع بالشأن المالي ان ما يحصل اليوم جريمة مالية سياسية ارتكبتها السلطة وحاكم مصرف لبنان برفض اقرار خطة التعافي واستكملتها بالامتناع عن اقرار الكابيتال كونترول.

وضع القضاء حجزاً على المصارف فردت بحجب اموال المودعين بشكل عشوائي ما يعد جريمة موصوفة. لم تتحمل المصارف حجزاً على ممتلكاتها بينما حمّلوا المواطن حجز امواله واقتطاع مبالغ منها من دون وجه حق، وهذا انما يدل على ان النظام وصل الى نهايته ان كان عبر الحكومة او مجلس النواب، وهما الجهتان المخولتان ايجاد حل للأزمة الراهنة من خلال اجراءات واضحة وحاسمة وليس بإظهار الامر وكأنه نزاع بين المصارف والقضاء، معتبراً ان من واجبات الحكومة ان توقف المصارف عند حد وان تصارح الناس بشأن اموالهم.

وفق المصدر عينه وهو المطلع على الشأن المالي عن قرب فان المصارف لا تريد كشف اوراقها خشية أن تكر سبحة الحقائق التي ستطاول رؤوساً كبيرة. فماذا بعد الادعاء على رياض سلامة؟ الكرة اليوم في ملعب الحكومة لاتخاذ القرار الذي يجب وفي مجلس النواب من خلال اقرار قانون الكابيتال كونترول وخطة التعافي الاقتصادي والمالي. الخطأ الفادح كان في عدم اقرار الخطة التي اشترط صندوق النقد اقرارها بأسرع وقت وفي اقرار الحكومة موازنة مبتورة لا قيمة لها في ظل غياب خطة التعافي.

 

غادة حلاوي – نداء الوطن