الفوضى العنفية … حتماً؟!

يشكل آخر فصول المواجهة القضائية المصرفية الذي أحدث سابقة الحجز على مصرف لبناني، بكلّ ما واكب هذا الإجراء من ذعر عارم، التجسيد الأقرب الى استرهان اللبناني المودع الذي باتت تتساقط عليه السهام في معادلة المتنبّي “فصرت إذا أصابتني سهامٌ/ تكسّرت النصال على النصال”.

ليس في دول العالم الثالث ولا في سوابق الدول الفاشلة الكثير ممّا يماثل الدراما اللبنانية لهذه الناحية. ذلك أن “لبنان الذي كان” قبل أن يضربه الانهيار التاريخي منذ ثلاث سنوات تمتّع ما بين فجر استقلاله “الأول” عن الانتداب الفرنسي حتى الانهيار، وعلى رغم عقد ونصف عقد من حرب طاحنة موصولة واحتلالات ووصايات بنظام مصرفي نادر كفل له استقراراً في زمن المحن وازدهاراً في زمن الانبهار بالأسطورة اللبنانية الفريدة في الشرق الأوسط. ولذا تأتي الكارثة المتدحرجة الآن على الصعيد المصرفي لتميّز لبنان حتى ضمن منظومة الدول الفاشلة التي لم تعرف تجاربها أزمان عز مماثلة لتصحّ المقارنة بينها وبين التجربة اللبنانية.

ولنقل بمنتهى الصراحة إن الكارثة التي تلاحق اللبناني “الأسير” في فصول الانهيار المالي تطوّرت الى المرحلة الأشدّ اهتراءً الآن وحوّلته من أسير ينتظر الموعود من الخطط الحكومية – النيابية الوهمية والمخادعة لانتشال وديعته من الأسر الى “رهينة” بامتياز بين أشداق قضاء غير موثوق ومشكوك تماماً في نزاهته وتجرّده واستقلاليته لفرط ما انكشفت تبعيته القاتلة للسلطة الحاكمة، وقطاع مصرفي ساقط تماماً في صدقيته ونظافته وصار الصورة الأشدّ قتامة عن ظلم المودعين والمتاجرة ببؤس الناس والجشع اللامتناهي في تصيّد المكاسب على ركام حقوق المودعين.

هذا الجاري الآن في تطوّر المواجهة القضائية – المصرفية ينذر بأبشع ما عرفه اللبنانيون من “مؤامرات” بكلّ معايير التآمر على اللبناني المقيم والمغترب الذي ذهب من جهة ضحيّة انكشاف القطاع المصرفي عن عدم امتلاكه أدنى معايير النزاهة والائتمان والتحسّس مع أولئك المودعين الذين صنعوا ثرواته الخيالية ومن جهة مقابلة انهيار البقايا الباقية من رهانات على قضاء مستقلّ لا يقيم اعتباراً إلا لإحقاق الحقوق من دون أن يتسبب بعواصف قاتلة جديدة قد تأتي على أصحاب الحقوق بدل إنقاذهم.

ما يجري وسيجري تباعاً في هذه المواجهة المخيفة يشكل مشروع قتل للرهينة لا فصلاً من فصول إنقاذه إطلاقاً. ولا يستدعي الأمر إنعاش الذاكرة بما لا تحتاج إليه من استعادات في تفجّر اضطرابات اجتماعية عارمة عرفتها دول في أقلّ بكثير من هذه العاصفة، ممّا أشعل الفوضى الدموية. وإن كان ثمّة من يمنّي النفس ويخدّر الناس بأن لبنان مرّ بتجربة الثورة الأخيرة التي انتهت الى أسوأ الخيبات وعودة استئساد الطبقة التي أوصلت لبنان الى الانهيار، فإن هذا يشكل الجانب الآخر من معالم المؤامرة السافرة التي يراد لها أن تكمل مسار استرهان المودعين لا أكثر ولا أقلّ.

لا يمكن إسقاط قناعة اللبنانيين بعدم وجود منحى تآمري إلا بإجراءات استثنائية الطابع تماماً، سواء على المستوى الحكومي أو النيابي التشريعي الفوري قبل فوات الأوان تماماً.

إن الترحيل المتعمّد المتواصل لتشريعات تحمي حقوق المودعين ولا تدفع بالقطاع المصرفي الى الانهيار ولا تبيح لسلطة الإمعان في تسخير قضاء بات كجهاز أمني مطواع بين أيديها هو المؤامرة بعينها على اللبنانيين الذين رماهم القدر بين أشداق هذه المنظومة المتوحّشة والفاسدة بكلّ جهاتها ومؤسساتها ورموزها. ولن تكون الاستهانة بتداعيات الفصول الجديدة سوى تمهيد لفوضى عنفية عارمة.

 

نبيل بومنصف – النهار