الشّجاع

أن نستمع إلى خبر “استقالة” مصطفى علّوش يحمل الكثير من الارتباك والغموض.

فمن أين له أن يستقيل من مهمّاته الكثيرة؟

هو الثائر، والرافض دوماً لكلّ تسوية لا تحفظ ما يراه حقّاً، وهو “طبيب الفقراء” في مدينته طرابلس، وهو الكاتب، والقارىء النّهِم للسياسة والأدب، وهو الدكتور الذي عاد إلى “الماجستير”، لرغبته في سبر أغوار “الفلسفة” من على مقاعد الدراسة. وهو نائب رئيس تيّار المستقبل، والنائب السابق، والمحلّل السياسي.

من أين استقال؟ يسأل المستمع، فيأتي الجواب: من تيّار المستقبل.
هو المشاغب دوماً، الذي قدّم استقالته سابقاً وعاد. واستقال قبل أيّام في اتصال هاتفيّ مع الرئيس سعد الحريري، بسبب ما اعتبره “ضبابيّة” في الموقف من مبادرة الرئيس فؤاد السنيورة التي أبلغ رئيسه أنّه يدعمها. رفضها الحريري. ثمّ بعد حملة شرسة عليه من مستقبليّين على مواقع التواصل الاجتماعي، عاد واتصل بالحريري وحذّر من أنّه سيردّ عليه شخصيّاً وليس على صغار الشتّامين، فعاد وقبل استقالته.

كانت تلك آخر الحدود التي لم يجرؤ لسنوات على تخطّيها. حُرِم من نيابة استحقّها، ومن وزارة كان يستأهلها، ومن أيّ دور محوريّ لا يجادل أحدٌ في أنّه الرجل المناسب له. وظلّ في تيّار المستقبل. “الثورة من الداخل”، كان شعاره. لا يخرج عن طوع بيت الوسط.

كانت تلك آخر الحجارة التي رفض أن يرميها، هو الذي رفض التسوية الرئاسية، ورفض الكثير من القرارات التي اتّخذها الحريري، ولم تسلم السياسة السعودية من مشاكساته، وظلّ ملتحفاً عباءة الحريريّة السياسية مهما ظلمته.

ميشال عون لم يخرجه من تيار المستقبل. ولا حرمانه من النيابة والوزارة. ولا أيّ ظلم أشدّ. وحده فؤاد السنيورة نجح في إخراجه.

أخيراً فعلها.

مصطفى علوش هو مجموعة تناقضات ثوريّة. شيوعيّ سابق درس في فرنسا وأميركا، عروبيّ وماركسيّ، انتسب إلى “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” ومارس العمل العسكري السرّيّ. من الماركسيّة والعروبة، بين فرنسا وميامي، وفلسطين وبيروت، انتسب إلى تيّار رفيق الحريري، وظلّ مشاكساً كما نشأ. فمن شبّ على شيء، شاب عليه.
قال لـ”أساس” قبل أشهر إنّ المستقبل “يحتاج إلى خيار ثوريّ”، ورفض “منطق الوراثة العائلية”، وقال: “نحن تيّار المستقبل”.

اليوم، يعود علوش إلى خياره الأصليّ، برفض الخضوع لغير قناعته وسيتمرد على ما لإيران خيراً لتاريخه السياسي ولمصلحة بيئته.