السؤدد الموعود

قد تشكل نتائج الانتخابات المقبلة السؤدد الذي يبحث عنه الحزب الحاكم منذ انخراطه في الحياة السياسية، نيابة وحكومة، زمن الوصاية السورية في نهاية التسعينات من القرن الفائت. والسؤدد، لمن فاته، هو الاوج أو قمة الأمور والأشياء وهو السيادة والمجد والسيطرة والهيمنة، وهذه كلها يراها الحزب في وصول استراتيجيته الى كمال بنيتها، حين ترتدي لا شرعيته غلالة الشرعية بحيازة ثلثي مقاعد مجلس النواب، اذا اسعفه تشتت الآخرين في الانتخابات الموعودة، عندها يصبح تعديل الدستور وتشكيل الحكومات، وطبعا انتخاب رئيس الجمهورية، وتشريع سلاحه وميليشياه، والسيطرة على قرار لبنان في كل مجال، تصير كلها رهن “ديموقراطيته”،

سيؤدي التكاسل الشعبي عن واجب الاقتراع الى تسهيل مهمة الحزب المذكور بالاستيلاء على الدولة بشرعية مخطوفة يوفر نصابها التحاق شلل نيابية انتهازية مستجدة، توصلها اصوات تفضيلية من لدن الحزب في دوائر يهيمن عليها، ويسمح وجودها في سلته بزعم انفتاحه وطنيا ولا طائفيته ولا مذهبيته في تكوينه النيابي.

لا يختلف إثنان على أن “الحزب الحاكم” بسلاحه هوالأكثر تنظيما، والأكثر تسلطاً على جمهوره، بفضل نظامه الحديدي وشبكة مرابطيه وعسسه في القرى والدساكر والمدن، إضافة إلى شبكة المصالح التي تربط جمهوره به، وإلى الحماية المعنوية والمادية التي يوفرها، ويعلو ذلك كله بُعد ديني لم يتهيب استغلاله وتطويعه حسبما تقتضي الظروف.

في المقابل، يغيب “تيار المستقبل”، رئيساً وإطارا، عن النزال الإنتخابي، بقرار من زعيمه، فيُفقِد قوى ما كان يوما قوى 14 آذار لحمتها، وثقلها الإنتخابي، ولأن السنة يشكلون ما لا يقل عن 60 إلى سبعين في المئة من قاعدته الشعبية، فقد انكشف المشهد على ما يشبه مقاطعة طائفة بكاملها للإنتخابات. فما هو دور الرئيس فؤاد السنيورة في المقابل، وهل أن النصيحة العربية بالإنكفاء والعزوف التي ترجمها الرئيس سعد الحريري تسري عليه وحده ولا تصيب رفيقه في نادي رؤساء الحكومات، بينما لبّاها زميلهما نجيب ميقاتي واستبقها رابعهم تمام سلام؟ وهل يعقل أن يكون لدى السعودية قراران متضادان في أمر واحد، أم أن هناك من استيقظ على سيئات الإنكفاء، وضرره على التوازن الوطني والميثاقية، وتاليا مخاطر ترك حزب السلاح يدير البلاد، بشعبية لدى طوائف أخرى انتهزها في غفلة سياسية، سيكون وبالها أسوأ من التحالف الرباعي سيء الذكر، ومن اتفاق قطر وثلثه المعطل.

لا شك في أن عدم إقبال أهل السنة والجماعة على الإقتراع سيؤدي إلى تغيير في المشهد السياسي، وإلى تكوين شلل نيابية تمثلهم في الندوة البرلمانية، يأتي بها الحزب أو نظام دمشق الراهن وتقتطع لنفسها حيزا من القرارات يخدم القوى التي دعمتها في الإنتخابات، وأمنت لها الحاصل الإنتخابي المطلوب.

المشهد المؤسف سياسياً ليس في انقسام الرأي داخل الطائفة الإسلامية، فحسب، بل وداخل “تيار المستقبل” وقاعدته الشعبية الواسعة التي تشكل أكثر من ثلثي الصوت السني في لبنان. فهل أن استعادة لبنان سيادته واستقلاله تكون بالإنكفاء عن الساحة الوطنية، وإخلاء الطريق أمام النفوذ الإيراني؟

ليس ذلك بالتأكيد ما يريده الرئيس سعد الحريري، ولا ما يسعى إليه الرئيس فؤاد السنيورة. ربما نحن قدّام ممرين في طريق واحدة.

 

راشد فايد – النهار