الراعي على خطّ المعايير الرئاسية المبكرة

في غمرة ترتيب دول المنطقة أوراقها منفردة أو مجتمعة في اجتماع شرم الشيخ أو العقبة أو النقب، يبدو لبنان بعيداً بمقدار سنين ضوئية عن مواكبة ومراقبة هذه التطوّرات في ظلّ انشغالٍ، لا بالانتخابات النيابية فحسب، بل على وقع أفق غير محدّد لانهيار يزداد عمقاً يوماً بعد يوم، فيما يعزف أهل السلطة معزوفات المقاربات نفسها داخلياً وخارجياً.

في خضمّ ذلك، تثني مصادر ديبلوماسية على دخول البطريرك الماروني بشارة الراعي على نحو مبكر وبقوة مصممة على موضوع الانتخابات الرئاسية وتحديد إطارها قبل ستة أشهر من انتهاء ولاية ميشال عون وأربعة فقط في ظل مطالبة البطريرك بانتخاب رئيس قبل شهرين من انتهاء ولاية الرئيس الحالي في ٣١ تشرين الأول.

يرفع البطريرك الصوت مبكراً استباقاً لشروط سبقه إليها “حزب الله” في إطار حملته النيابية كاشفاً عن مدى القلق الذي يساوره من خسارة موقع الرئاسة الأولى التي يصعب جداً أن تكون له كما كانت الرئاسة الحالية.

في أي حال، تعتقد هذه المصادر أنه بمعزل عن الرهانات على استقواء إيران وتالياً الحزب بنتائج العودة الى الاتفاق النووي وتدعيم نفوذهما في المنطقة، فإن المواصفات المقبلة لرئيس الجمهورية لا يمكن مقاربتها بالمعايير نفسها التي سادت في محطات مماثلة سابقاً، إذ إن تجربة عون كسرت الأوهام حول رؤساء أقوياء من ضمن طوائفهم أو يتمتّعون بدعم شعبي فيما هناك أخطاء يقع فيها الإعلام في الدرجة الأولى بحسب هذه المصادر في التسويق لأسماء مرشّحين للرئاسة الأولى لا تسمح الظروف ولا مواصفاتهم بالغرق في جدل حول احتمالات نسبة انتخابهم وإعطائهم فرصة لذلك. فبعض الأسماء لن تكون موجودة على الرادار السياسي إطلاقاً ولو أن البعض قد يرسمهم كسقف للمساومة ليس إلا. والبعض الآخر منهم لا يملك أي فرصة مهما كان الوضع أولاً قياساً الى تجربة عهد إقفال فكرة إعادة التجربة برئيس من لدنه، ولأن الظروف المحلية بكلّ تداعياتها الخارجية هي التي باتت تملي شخص الرئيس لأن ما هو مطروح ليس استمرار غرق لبنان بل محاولة إنقاذه. فإن كان التغيير صعباً في الانتخابات النيابية نتيجة قانون انتخابي فاشل ومتحيّز للأحزاب السياسية ومقفل على أي تغيير، فإن الفرصة ستكون متاحة من رأس الهرم.

يقول هؤلاء إن لبنان لا يحتمل أيّ استمرارية بأيّ شكل من الأشكال للعهد الحالي ولأسباب موضوعية واضحة، كما قد لا يحتمل رؤساء الأحزاب والقوى المسيحية اللبنانية أولاً لاستمرار رفض اللبنانيين القيادات التقليدية ولو أنها ستعيد شرعنة نفسها في الانتخابات المقبلة، وثانياً لأن هؤلاء سيتولون إلغاء بعضهم بعضاً بحيث ستنتقل الرئاسة من مرحلة الى أخرى بعيداً من الأسماء التقليدية وبعيداً من المقاربة التقليدية لموضوع الرئاسة. فإن كانت الدول المهتمّة بلبنان عاجزة عن التأثير في نتائج الانتخابات النيابية لاعتبارات باتت معروفة ومنها على سبيل المثال لا الحصر انتخابات 2009 التي جرى ضخ أموال هائلة فيها تفوق ما يُنفق على أيّ انتخابات في أيّ دولة كبرى وانتهت بإطاحة نتائجها وتعجيز الأكثرية النيابية عن الحكم، فإن هذا قد يكون من الأسباب لعدم الاستثمار في الانتخابات النيابية والتركيز على الانتخابات الرئاسية فحسب.

ثمة أسماء يجري التداول بها في الكواليس السياسية لبعض العواصم بعيداً من الأسماء السياسية التقليدية. فمن جهة لا يمكن إطلاقاً الرهان على رئيس يكرّر تجربة الرئيس الحالي في المحورية التي انتهجها في الوقت الذي يواجه فيه لبنان ارتطاماً كبيراً يتّجه إليه بقوة على خلفية إنهاء احتياطات المصرف المركزي وتحوّل لبنان الى دولة مفلسة. وينسحب ذلك على اعتبار أن لا إمكان لنجاح أيّ مفاوضات مع صندوق النقد الدولي ولا نيّة بذلك من خلال عرقلة تنفيذ أيّ من الإجراءات أو الخطوات المطلوبة منه من أجل توقيع اتفاق معه. ولا احتمال لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل على نحو قد يتيح للبنان الرهان على أموال من التنقيب عن الغاز في مدى منظور. فالتغطية التي سعى إليها عون لموقفه أخيراً باجتماع الرؤساء الثلاثة في قصر بعبدا، اقتصرت على إبعاد الحملات التخوينية التي شُنّت ضدّ رئيس الجمهورية بالتنازل عن الخط 29 وعدم توقيعه على تعديل المرسوم 64، فيما “حزب الله” كان قد قطع الحبل بالتفاؤل الذي ألبسه المسؤولون للاقتراح الذي نقله الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين حين نقله إليهم بلقاءات مباشرة معهم والتقليل من هذا التفاؤل وتراجع احتمال الترسيم كلياً حين أصبح الاقتراح مكتوباً على الورق ولكن بعد مواقف الحزب المرتفعة السقف. فمن سينقذ لبنان بعد الارتطام الكبير؟ هذا سؤال مهم قياساً الى الأدوار المرتقبة للجهات الداخلية وربما أيضاً للجهات الخارجية.

يعتقد سياسيون أن البطريرك الراعي يضع في موقفه التحديدي لمواصفات الرئيس المقبل الكثير ممّا يستخلصه من لقاءاته الخارجية والداخلية. فمن غير المتوقع أن تبادر أيّ من العواصم التي لا تزال تهتمّ بلبنان الى تحديد مباشر علني لهذه المواصفات ولا الدخول في كباش مع أيّ من القوى السياسية المسيحية أو سواها. فلبنان وإن كان ضحيّة ظروف خارجية تتصل بتداعيات الأزمة السورية منذ ٢٠١١ ولكن المسؤولية الداخلية إن لم يكن عن الانهيار بصورة مباشرة فعن عدم القيام بأيّ إجراء مدروس وضروري لمنع هذا الانهيار على الأقل منذ بداية الانتفاضة في ٢٠١٩ حتى الآن. ولا يمكن أن يتوافر إمكان نهوض لبنان من دون رئاسة أولى تمتلك بعد النظر والحكمة في إدارة الأمور الى حدّ يأسف معه البعض لوفاة الوزير السابق جان عبيد التي كانت فرصته لتكون محتملة جداً أكثر من أيّ وقت مضى للمرحلة الانتقالية المقبلة لجهة إمكان التقاء مصالح جهات عدّة حول رئاسته. وهذا الأمر سيكون أكثر تعقيداً في الفترة المقبلة ولكن يخشى أنه سيتم تضييع أشهر طويلة في تداول أسماء لا تحظى بالحدّ الأدنى الممكن من التوافق حولها فيما تتصاعد أهمية التوافق الإقليمي بمقدار التوافق المحلي وربما أكثر.

روزانا بومنصف – النهار