الخارج لرئيس للجمهورية لا يستقوي بسواه

مع إعلان البطريرك الماروني بشارة بطرس الراعي اخيرا الحاجة الى الذهاب الى انتخابات رئاسة الجمهورية قبل شهرين من انتهاء ولاية الرئيس الحالي في 31 تشرين الاول المقبل، اثار الامر تساؤلات عن السبب الذي يحول دون الذهاب الى انتخاب رئيس الجمهورية على اثر الانتخابات النيابية فورا لان البلد لم يعد يتحمل انتظار انتهاء مهلة الرئيس العماد ميشال عون في ظل حكومة تصريف للاعمال بين الاستحقاقين النيابي والرئاسي وثانيا لان الغالبية مقتنعة بان لا شيء يمكن ان يتغير ازاء لبنان في ظل العهد الحالي بدليل اعاقة الاتفاق مع البنك الدولي حول موضوع الكهرباء على الاقل بما يشكل من مدى حيوي ضروري لم يعد يسمح باعاقته واستمرار عرقلة اتفاق مع صندوق النقد الدولي ، فيما ان الجميع سينتظر الانتخابات الرئاسية لتبين اتجاهات الواقع في لبنان .والامر لن يكون جديدا بل يكرر تجربة انتخاب الرئيس الياس سركيس قبل ستة اشهر من انتهاء ولاية الرئيس سليمان فرنجيه في الوقت الذي لا يرى ديبلوماسيون فائدة في تكرار هذه التجربة لان استمرار الرئيس الحالي مع انتخاب رئيس جديد سيخلق مزيدا من الارتباك لا سيما ان الفكرة التي طرحت قبل عامين من اجل انتخاب رئيس جديد للجمهورية لم تنجح. وعلى رغم ترجيح تكرار تجربة الفراغ الرئاسي التي تولاها ” حزب الله” مع حليفه العوني في 2014 ولمدة سنتين ونصف السنة حتى انتخاب عون، فان مواصفات رئيس الجمهورية بعد تجربة عون باتت في حاجة ملحة الى اعادة تعريف داخلية وبدعم اقليمي ودولي على حد سواء. يقول ديبلوماسيون ان وصول عون الى الرئاسة بكتلة كبيرة تدعمه كان اختبارا كان لا بد من خوضه وتبين انه لم يكن ناجحا ولا يمكن تكراره انطلاقا من ان اعادة تعريف الرئيس القوي يجب ان تعني الرئيس الجامع والقادر على التوفيق بين اللبنانيين وليس الرئيس المستقوي بسواه. وعلى عكس الوضع قبل انتخاب عون فان اعادة تكوين السلطة عبر الانتخابات النيابية سيتيح للمجتمع الدولي والاقليمي اكثر من السابق وعلى خلفية انشغالات باولويات اخرى رفاهية الانتظار حتى اقتناع اهل السلطة بترتيب اولوياتهم الداخلية. اذ يبالغ هؤلاء في التعويل على اعادة استقطاب الخارج بسهولة فيما لم يتنبهوا الى ان لبنان فقد الجاذبية لاستقطاب اموال جدية منذ عشر سنوات على الاقل. وذلك فيما ان الرهانات على ان اتفاق دوحة جديدا او ما يشابهه قد يتيح اعادة تنظيم الواقع السياسي، لا يبدو ممكنا او سهل المنال على رغم كل التنظير السياسي او الاعلامي حول هذا الموضوع. اذ يكشف دبلوماسيون ان الامر هو اشبه باستدعاء تجربة خارج شروطها الطبيعية وهي اكثر تعقيدا ولا تحصل بكبسة زر فيما لا شيء اطلاقا على اي مستوى اقليمي او دولي يوحي بذلك . فما فرض الذهاب الى اتفاق الدوحة كان اجتياح بيروت من ” حزب الله” بعملية عسكرية اقتضت ترتيب تسوية. واذا كان ” حزب الله” سيربح الاكثرية النيابية افتراضا في الانتخابات المقبلة وهو الاقوى عسكريا فلم قد تكون الحاجة الى تسوية سياسية.

ويرى هؤلاء بوضوح ان ما يجري يهدف إلى اعادة تأكيد التجربة نفسها . اذ لم يمنع الوضع ” المالي الدقيق جدا” بحسب كلام لرئيس الجمهورية في الجلسة ما قبل الاخيرة لمجلس الوزراء دون قيامه بزيارة الى الفاتيكان وايطاليا لما بدا ترويجا لمعركته النيابية والرئاسية على حد سواء. اذ لم ير مراقبون سياسيون في كل ما وزعه الفريق الرئاسي عن الزيارة ما يستحق باستثناء بذل الجهد لاقناع الكرسي الرسولي بان المسيحيين كما صرح عون لدى وصوله الى الفاتيكان ليسوا في خطر تاركا لمخيلة المتابعين استنتاج ان ذلك يعود الى تحالفه مع ” حزب الله” من باب ان تفاهم مار مخايل الذي يجمع بينه وبين الحزب في تحالف استراتيجي امن استقرارا للمسيحيين وحماية لهم فلم يعودوا في خطر في حين ان الشعارات التي يخوض حزب “القوات اللبنانية” وسائر الافرقاء المسيحيين وسواهم الانتخابات على اساسها يمكن ان تعرض المسيحيين الى الخطر نتيجة تباعد كبير مع الحزب . يقول بذلك انه بهذا التحالف وعلى عكس الانطباعات الراسخة بان هذا التحالف ساهم في انهاء لبنان ينقذ المسيحيين ومن الضروري التواصل فيه بحيث ان بركة الكرسي الرسولي على هذا الصعيد يمكن ان تبرر لتياره استمرار التعاون مع الحزب في الانتخابات وقيادة المرحلة المقبلة ومحاولة اقناع المسيحيين بضرورة التصويت لفريقه المتحالف مع الحزب لهذه الغاية انطلاقا من الفاتيكان . ومن الفاتيكان ايضا يخوض عون معركة الرئاسة الاولى في اظهاره للحزب انه هو او صهره اذا اتيح ذلك هو من يدافع عن الحزب ويشرع سلاحه تحت عنوان مقاومة الاحتلال بعيدا حتى من استراتيجية دفاعية رفض عون البحث فيها وابعاد اي شبهة داخلية حول نفوذ الحزب وتأثيره على هوية البلد . وهذا الكلام سبق ان سعى الى بيعه من الدول العربية من دون ان تقتنع به لادراكها الدقيق ما هي حقيقة الوضع الداخلي والتي لا تغيب عن الكرسي الرسولي كذلك . فبين الزيارة الى الفاتيكان والاضطرابات الداخلية الذي يحدثها فريقه في اثارة الغبار الكثيف حول المصارف في شكل عام وحاكم المصرف المركزي في شكل خاص عنوان وحيد يلتقي عليه سياسيون وديبلوماسيون هي تعويم عون تجربته وتياره للانتخابات النيابية الرئاسية في موازاة اشغال اللبنانيين وحرف انظارهم عن ملف الكهرباء والكارثة التي المت وتلم باللبنانيين من جرائه وهو في عهدة فريقه منذ اكثر من عقد وبالمزيد من الفشل والهدر، من دون ان ينفي ي ذلك بيع الحزب براءة ذمة من الفاتيكان مما جرى للبنان نتيجة سلاحه ونفوذه لقاء الوقوف معه في تحصيل ما يمكن تحصيله من تعيينات وتشكيلات وربما ايضا اطاحة حاكم المصرف المركزي قبل موعد الانتخابات النيابية في ١٥ ايار اي قبل تحول الحكومة الى حكومة تصريف للاعمال . فالحزب سيكون ملزما معنويا بان يرى هذه الهدية الكبيرة التي قدمها له عون من الفاتيكان بالذات ويقرر على اساسها بقاء التحالف يدير البلد في المرحلة المقبلة ليس عبر الاكثرية النيابية فحسب بل عبر الرئاسة الاولى ايضا.

ولكن الافكار الخارجية وهي موجودة لا تذهب حكما في اتجاه ما يسعى اليه عون.

 

روزانا بومنصف – النهار