الانتخابات: تحدّي منع الاختراق

أحدث انكفاء الرئيس سعد الحريري عن الحياة السياسية صدمة في الشارع السنّي. فالحريري (وفق نتائج جميع الانتخابات) هو الأول بين القيادات السنّية الكبرى، و”تيار المستقبل” يتصدر ترتيب التمثيل النيابي متقدماً جميع منافسيه وخصومه، اضف الى ذلك انه مثَّل استمرارية سياسية لخط الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ومع ذلك فإن اعلان الحريري تعليق العمل السياسي لنفسه ولتياره، هو قرار حزبي لم يسعَ الحريري الى فرضه على الرأي العام غير الحزبي الذي يؤيده تقليديا. من هنا فإن خروج حزبيين عن القرار، إنْ حصل، سيكون محدودا، لكن الجمهور الاوسع يمكن ان يتجه صوب المشاركة بشكل اكثر وضوحا. هذا لا يعني ان الجمهورالمشار اليه سيدير الظهر لقرار الحريري الذي يقرأه كل على طريقته. لكن المؤكد ان غياب الحريري سيحدث اهتزازا في ما يتعلق بمشاركة الطائفة السنية في الانتخابات، كون “تيار المستقبل” يبقى حتى اللحظة القوة الحزبية الوحيدة في الطائفة القادرة على تحريك جمهور كبير في جميع المناطق، بينما تغلب على الآخرين طبيعة القيادات المحلية، او صفة قادة الرأي ضمن النخب. لكن انكفاء الحريري لا يعني انكفاء الطائفة السنية التي تبقى رغم كل التحديات التي ستواجهها خلال الانتخابات المقبلة (إن حصلت) الطائفة الأولى عدديا، والمكون الوطني الذي يتمتع بامتداد عربي وإسلامي لا يعادله أي مكوّن لبناني آخر. من هنا فإن الانتخابات أكانت مع الحريري أم من دونه تبقى مهمة بالنسبة الى مصير المعادلة اللبنانية التي تواجه تحدي توسع سيطرة “حزب الله” وهيمنته على لبنان. ومواجهة محاولات “حزب الله” اختراق المكون السني عبر مرشحين “ملغومين” حقيقة لا يمكن نكرانها. لكن واقع الحال ان الطائفة التي تعارض غالبيتها الساحقة مشروع “حزب الله”، لا يسعها ان تقف من دون التصدي لمحاولات اختراقها بتمدد “حزب الله” الى قلبها، تحت جنح الظلام، مستغلا انكفاء الحريري الذي لا يمكن بحال من الاحوال ان يُترجَم على انه دعوة لإفساح المجال امام “حزب الله” لاختراق الصف، فهو الخصم الأول والأهم لكل القوى والمكونات التي تجاهد في سبيل لبنان حر سيد مستقل، فكيف الحال وسنّة لبنان ضمانة تحمي البلد من هيمنة “حزب الله” ومَن يقف خلفه على بلاد الأرز.

ما تقدم يهدف الى القول ان ثمة قيادات سنية وطنية مثل الرئيس فؤاد السنيورة، ومعه مجموعة من النخب تستظل دار الفتوى، تعتقد ان انكفاء الحريري خسارة، لكنها لا يمكن ان تكون سبباً لترك الساحة من قِبل الجميع. والانتخابات المقبلة لا يجوز ان تكون مناسبة ينفذ منها “حزب الله”، أياً تكن الاعتبارات التي املت على الحريري قراره، وأياً يكن شعور محبيه، وهم كثر، يفهم منها انها “ضوء اخضر” لـ”حزب الله” وجماعة ما يسمى “المقاومة والممانعة” لاختراق الصف. ويقيننا ان الحريري نفسه حين اختار الانكفاء ما فكّر لحظة انه يجب ان يؤدي الى تعبيد الطريق امام نقيض كل ما تمثله فكرة لبنان لتوسيع نطاق نفوذه داخل الطائفة، او حتى لاستغلال الوضع لإضعاف السياديين الآخرين في البلد، وذلك بصرف النظر عن المرارة التي يشعر بها رئيس الحكومة السابق حيال بعض حلفائه السابقين.

 

علي حمادة – النهار