الادّعاء على جعجع: الزمن السوري ولّى إلى غير رجعة..

أسبوع القضاء في لبنان. أسبوع القضاء على لبنان. أسبوع القضاء على القضاء. كلّها عناوين تصلح أن تُطلَق على الأسبوع الفائت.

كلّنا يعرف أنّ القضاء ليس بخير. هو بغالبيّته مسيّس. فيه قضاة يرتبطون بمرجعيّات سياسيّة ويعملون وفقاً لأجنداتها. لكن أن يصل الدَرَك في العمل القضائي لدى بعض القضاة إلى هذا المستوى، لهوَ مؤشّر خطير. وخطير جداً. فالحُكم هَيبة. فما بال حُكم القضاء؟ تصرُّف بعض القُضاة يُفقده هَيبته.

خلال الأسبوع المنصرم قام بعض القضاة بتوجيه ضربات موجعة للقضاء. القاضية غادة عون بأدائها وتجاوزها للقوانين أفقدت القضاء هيبته. اقتحامها لشركة مكتّف منذ أشهر أصبح حديث الصبحيّات النسائية، والصالونات، والمقاهي. وتغريداتها ضدّ الإعلاميَّيْن جورج ومرسيل غانم الأسبوع الفائت لا تهدّد الحرّيّات الإعلامية فقط، إنّما تخرج عن أصول العمل القضائي. والقاضي فادي عقيقي، مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، بادّعائه على سمير جعجع الأسبوع الفائت، أكّد أنّ عمله القضائي يتحرّك على إيقاع المعارك السياسية لبعض الأحزاب وحملاتها الانتخابية التي تشتدّ يوماً بعد يوم.

ادّعى القاضي فادي عقيقي على الدكتور جعجع بتهمة “التورّط” في حادثة الطيّونة. بحسب قانونيّين، لا يخالف تصرُّف القاضي عقيقي القانون. بعدما حوّل الملفّ ليصبح بيد قاضي التحقيق العسكري الأوّل بالإنابة فادي صوّان، يعطي القانون للقاضي عقيقي الحقّ في الادّعاء إذا ما أظهر التحقيق “معطيات جديدة”. المفاجئ أنّ القاضي ارتكز على إفادة رجل يعمل في السياسة، قالها على مواقع التواصل الاجتماعي وليس في محضر رسميّ. بغضّ النظر عن هذا الرجل ومدى صدقيّته (المشكوك فيها حتى من أبناء المنطقة) وماضيه وحاضره، لم يرتكز القاضي على أدلّة أو براهين مُثبتة جديدة.

ليس هذا الكلام من باب رفض توجيه اتّهامات لزعامات سياسيّة ولا من باب الحصانات الطائفيّة. فالمسؤول السياسي، مهما عَلا شأنه، هو مواطن أوّلاً وأخيراً. ويجب أن لا يكون فوق القانون أبداً. ويجب أن لا يقف الانتماء الطائفي حائلاً أمام تطبيق القانون.

 

تطيير الانتخابات

لكنّ الادّعاء على “الحكيم”، يبدو أنّ في إصداره قليلاً من الحكمة وكثيراً من الارتياب. وكأنّه إلهاء لسمير جعجع الذي يقود الحملة الانتخابية لحزب القوات.

لماذا؟

1- لبنان في مرحلة الإعداد لانتخابات نيابيّة يُخشى تطييرها لسبب أو لآخر. كان على القاضي أن يتحلّى بالحكمة ويؤجّل صدور الحكم إلى ما بعد الانتخابات. ليس خشية أن يقوم سمير جعجع بردّة فعل أمنيّة. فالمعروف عن الرجل أنّه لا يتصرّف بردّات الفعل، وأنّ حزب القوات كان أوّل الأحزاب التي تقيّدت بقرار حلّ الميليشيات الذي نُفّذ في نيسان 1991، وسلّم سلاحه. إنّما الخشية أن تتوتّر الأجواء بين منطقتين تاريخهما حافل بالكثير من الإشكالات منذ العام 1975. وهما في دائرة انتخابية واحدة. والمرشّحون، على اختلاف انتماءاتهم، سوف يجولون في المنطقتين ويلتقون ناخبيهم. وأيّ توتّر سياسي يمكن أن ينعكس إشكالات أمنيّة بين أبنائهما. ومنذ أيام رُميت قنبلة صوتيّة في عين الرمّانة. لم يُعرف مطلقها. ولن يُعرف. لكنّ المعروف أنّ جماعات الثنائي الشيعي غالباً ما يقومون بعراضات استفزازيّة بالدراجات الناريّة على أطراف فرن الشبّاك وعين الرمّانة.

2- أتى صدور الادّعاء مواكباً للحملة الممنهجة من قبل حزب الله والتيار الوطني الحرّ على القوات اللبنانيّة. وكان آخر مظاهرها قول الأمين العام للحزب إنّ “مَن يصوّت للقوات اللبنانيّة، يصوّت لقتلة أحداث الطيّونة”. وهو كان قد هدّد القوات بـ 100 ألف مقاتل. وجبران باسيل لا يفوّت فرصة لكي يعود إلى ملفّات الحرب ونبش قبورها استنسابياً أو الكذب والافتراء في تناول أحداثها ومحطّات منها. وكأنّ عمّه الجنرال لم يخُضها بوحدات من الجيش اللبناني حوّلها إلى نوع من ميليشيا له وقامت بتجاوزات كثيرة.

3- لا يريد حزب الله أن تنجح القوات اللبنانيّة في تشكيل كتلة نيابيّة مسيحيّة وازنة في الانتخابات المُقبلة لأنّ ذلك سيعني خسارته القوّة التمثيلية للغطاء المسيحي الذي وفّره ميشال عون منذ تفاهم مار مخايل (2006). وقد تجسّد هذا الغطاء في دفاع عون عن الحزب وسلاحه في أكثر من مناسبة وتصريح، وتبرئته لهيمنته على قرار الدولة وتهديده لاستقرارها ولكيانها. وآخر دفاع صدر منذ أيام من عاصمة الكثلكة الفاتيكان، في تصريح لجريدة La repubblica قال فيه الرئيس عون إنّه “ليس لحزب الله… أيّ تأثير على الواقع الأمني الداخلي للّبنانيين”.

4- يخشى حزب الله أن تكون الكتلة النيابية الوازنة للقوات نواة لتأسيس جبهة معارضة له ولسلاحه، خاصة مع الحديث عن عودة اهتمام المملكة العربيّة السعوديّة بالملفّ اللبناني. فالقوات هي الطرف السياسيّ الوحيد القويّ والمتماسك – بعد خروج سعد الحريري وتيار المستقبل من العمل السياسي – والقادر على أن يكون الرافعة السياسيّة لمثل هذه الجبهة.

 

من المرفأ إلى الطيونة

قبل الادّعاء في أحداث الطيّونة، كان اللبنانيون ينتظرون القرار الظنّيّ في قضية انفجار المرفأ. انفجار قتل 206 ضحايا، ويزداد عددهم كلّ يوم بموت جرحاه. فهو أوقع حوالي 6000 جريح. ودمّر العاصمة ودورها التجاري التاريخي. ينتظرون قراراً يهدّئ صرخات أمّهات الشهداء وزوجاتهم وغضب آبائهم وأشقّائهم وشقيقاتهم المطالبين بالعدالة. وكانوا ينتظرون تقدّماً في قضية اغتيال لقمان سليم.

للتذكير، لم ينسَ اللبنانيون شهداء ثورة الأرز وعدم كشف القضاء اللبناني عن أيّ قاتل. وكأنّه نسيهم! أمّا نحن فلم ننسَ. ولن ننسى. “أن ننساهم تلك هي الخطيئة الكبرى”، كما قال المفكّر والفيلسوف شارل مالك.

ربّما يعتبر مَن يحرّك قضية الطيّونة استنسابياً ويطلب الادّعاء على سمير جعجع أنّ زمنه يشبه الزمن السوري. لكن فاته أنّ ذلك الزمن ولّى إلى غير رجعة.

 

د. فادي الأحمر – أساس ميديا