الأحداث العالمية تعصف بلبنان

تشكل تداعيات الحرب في أوكرانيا ثقلا جديدا يضاف الى الأحمال التي ينوء تحتها لبنان. فالازمة ليست محصورة بالجانبين الروسي والاوكراني، انما تتجاوزهما الى ما هو اخطر بكثير. فمن أثر العقوبات الاقتصادية على روسيا والتي لا سابقة لها، الى توقف كل من البلدين المعنيين كساحة قتال عن تصدير مواد أولية غذائية ذات أهمية قصوى كالقمح والزيوت النباتية على اختلافها، وصولا الى ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته عالميا، يمكن القول ان الارتدادات كبيرة، ويبدو أن لا سقوف لها في المدى المنظور. اكثر من ذلك، ثمة نتائج على الصعيدين الأميركي والأوروبي المتجهين نحو مزيد من الانشغال بأزمة اللاجئين الاوكرانيين، وبرفع منسوب الموازنات الدفاعية، لا سيما في أوروبا التي تكتشف انها تدخل عصرا جديدا ومختلفا سببه غزو روسيا لأوكرانيا، ما أيقظ مشاعر خوف تعود الى ما قبل ثلاثة عقود من الزمن.

ومن تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا انها بتحوّلها الى مواجهة عالمية على مستوى دول كبرى، قد تؤدي الى تعليق المفاوضات حول البرنامج النووي في ڤيينا، بعدما كانت قطعت شوطا بعيدا، ووصلت حسبما اعلن كل الأطراف الى المرحلة النهائية قبل الإعلان عن التوصل الى اتفاق لعودة كل من الولايات المتحدة وايران الى الاتفاق النووي للعام 2015. هذا الامر من شأنه ان يرخي بظلاله على المنطقة لِما لإيران من تأثير على دول الجوار، ولا سيما ان الموقف الروسي حاول الربط بين التوصل الى اتفاق ترفع بموجبه الولايات المتحدة عقوباتها عن ايران، واستثناء التجارة والمبادلات بين روسيا وايران من نظام العقوبات التي أُنزِلت بروسيا من جراء غزوها أوكرانيا. بهذا المعنى اجهضت موسكو الاتفاق النووي، وعادت الوفود المفاوضة الى بلادها كأن شيئا لم يكن. هذا الامر مؤثّر في الإقليم. واذا أثّر في الإقليم فهو مؤثر في لبنان، حيث يبدو ان الإيرانيين يعملون بلا هوادة على الربط بين “الجبهات” وميادين المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة. فالضربة الإسرائيلية المؤلمة التي تسببت بمقتل ضابطين من “الحرس الثوري” الايراني جنوب دمشق، وهما متخصصان بسلاح الطائرات المسيّرة، منحت طهران الذريعة من اجل توجيه رد مزدوج ضد موقع زعمت انه مقر لـ”الموساد” الإسرائيلي في عاصمة إقليم كردستان العراقي أربيل، وهو واقع في الوقت عينه على مسافة قريبة جدا من مبنى القنصلية الأميركية الجديدة (قيد الانشاء) والقاعدة الأميركية في مطار أربيل. والتصعيد الإيراني في اتجاه إسرائيل رداً على الضربة من جهة، والولايات المتحدة كمحاولة للضغط من اجل دفع واشنطن للقبول بالمطلب الروسي في مفاوضات ڤيينا، يعزز القلق في المنطقة، وخصوصا ان الجبهة اليمنية المفتوحة بين ايران والتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، يضاف اليها افتعال ايران ازمة جديدة مع السعودية على خلفية أحكام الإعدام التي انزلها القضاء السعودي بعدد من المتهمين بأعمال إرهابية، وتدخّل “حزب الله” فيها من خلال هجوم اعلامي عنيف جدا ضد الرياض، سيزيد من الاضرار اللاحقة بالعلاقات اللبنانية – السعودية التي لم تصتلح حتى الآن.

ما تقدم من عرض لتطورات خارجية مقلقة، يصيب الواقع اللبناني الذي لم يعد في الوقت الراهن على اجندة المجتمع الدولي. وحدها فرنسا تواصل العمل عبر خلية لبنان في قصر الإليزيه، لكن الاخطار الكبيرة الناجمة عن الغزو الروسي لأوكرانيا، وتداعياتها الخطيرة على جميع المستويات، قد تعصف بالساحة اللبنانية فتفتح “ثغرة” كبيرة غير متوقعة تؤدي الى تطيير الانتخابات.

 

علي حمادة – النهار