استقبال الأسد: جزرة كبيرة تنتظر ترجمة

حظي استقبال دولة الإمارات العربية رئيس النظام السوري بشار الأسد باهتمام كبير، ولا سيما أنه أتى قبل يومين من الموعد المحدّد لانعقاد اللجنة الدستورية برعاية أممية في 21 آذار الجاري في جنيف، بحيث أثار هذا الاستقبال تساؤلات عمّا إن كان هذا الدفع الإماراتي بفك عزلة الأسد الذي لم يزر خلال 11 عاماً من عمر الثورة ضدّه سوى روسيا وإيران الداعمتين له، مؤشراً يمكن أن يذهب الى التعاون فعلاً مع الجهود الدولية لحلّ سياسي أم لا.

يعتقد البعض من المراقبين أنها جزرة كبيرة جداً تناقضت المؤشرات في شأنها، وقد قُدّمت إليه ولا سيما مع مصادفتها الذكرى الـ11 للثوة السورية ضدّ النظام على سبيل رصد مدى التقاطه للفرصة التي تشكل امتحاناً له يمكن أن يفتح الباب أمامه أو يعيد إقفاله ولا سيما أن التجارب السابقة معه لم تنجح. الخطوة حصلت فيما صدرت مواقف دولية مهمة تذهب في اتجاه مختلف كلياً عن الخطوة الإماراتية. فالمقاربة الإماراتية فُسّرت بأنها تقوم على أن الالتفات الى الملفّ السوري كان يقضي باتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا يتردّد أن الإمارات العربية كانت في صدد التوجّه الى الإعداد له لولا بدء روسيا الحرب على أوكرانيا.

وفيما لم تنفع مع النظام السوري العقوبات ورغبة أو قدرة للدول الغربية على رفعها حرصاً على صدقيتها ولا سيما في هذه المرحلة التي تصاعدت فيها الاتهامات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين بارتكاب جرائم حرب تماماً كما فعل بشار الأسد، فقد تكون ثمّة حاجة دولية لتوظيف أو استثمار الخطوة الإماراتية ولو من دون مباركتها. فإذا أثمرت إيجاباً يمكن البناء عليها، وإن لم تثمر فإنها تقف عند هذا الحدّ.

ويعتقد زوار عاصمة أوروبية في الأيام الأخيرة أن كبار المسؤولين في الإمارات وضعوا الدول الغربية في أجواء هذه الخطوة حول استقبال الأسد، فيما أبقت هذه الدول العصا مرفوعة في وجه النظام، إذ جدّد الاتحاد الأوروبي في ذكرى الثورة تأكيده لاءاته الثلاث الخاصّة بسوريا، التي تتضمّن الإبقاء على العقوبات والعزلة ورفض المساهمة بالإعمار، قبل تحقيق تقدّم في العملية السياسية. وقد عُقد اجتماع في واشنطن قبل بضعة أسابيع ضمّ مجموعة من الدول الغربية والعربية أكد رفض التطبيع وأصرّ على المحاسبة على ما ارتُكب في سوريا، وكان لافتاً عدم شموله دولة الإمارات بين الحضور، فيما كل من المملكة السعودية وقطر كانت حاضرة من بين الدول الخليجية. والموقف نفسه أعادت تأكيده واشنطن وكل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة عشيّة الذكرى عبر إعلان رفض التطبيع مع النظام السوري في بيان مشترك أكدت فيه أن بقاء الإفلات من العقاب في سوريا “أمر غير مقبول”، وأن النظام “يعوق الحلّ السياسي”. وشدّدت هذه الدول في بيانها على أنها “لا تدعم الجهود المبذولة لتطبيع العلاقات مع نظام الأسد ولن نقوم بأنفسنا بتطبيع العلاقات، وكذلك لا نرفع العقوبات أو نموّل إعادة الإعمار حتى يتم إحراز تقدّم نحو الحلّ السياسي لا رجوع فيه”.

وبالنظر الى الموقف “الحيادي” نسبياً الذي التزمته الإمارات في موضوع التوتر الدولي حول أوكرانيا، فيما هي عضو في مجلس الأمن راهناً، فإن الأمر قد يكون مفهوماً على خلفية اضطلاعها بدور في الموضوع السوري كانت قد مهّدت له منذ إعادة فتح سفارتها في دمشق حيث لروسيا دور مقرّر كبير، فيما لا يعتقد كثر أن روسيا قد تؤدّي دوراً مسهّلاً في الوصول الى تسوية سياسية في سوريا في موازاة الحرب على أوكرانيا وسيكون لها شروط إضافية كما فعلت حين وضعت شروطاً للحصول من واشنطن على ضمانات قبل إتاحة العودة الى العمل بالملفّ النووي مع إيران. وحافظت واشنطن على وتيرة رفضها أيّ تطبيع مع النظام السوري حيث أعربت عن خيبتها من الزيارة المفاجئة لرئيس النظام السوري للإمارات (ولم تقل استقبال الإمارات للأسد حرصاً على العلاقات مع قادتها على الأرجح) وقالت إنها تشعر بـ”خيبة أمل كبيرة وانزعاج عميق”، وأضافت أن “وزير الخارجية الاميركية أنتوني بلينكن أكد أن واشنطن لا تدعم جهود إعادة تأهيل الأسد ولا تؤيّد قيام الآخرين بتطبيع العلاقات معه، وكنّا واضحين بهذا الشأن مع شركائنا، وأن الولايات المتحدة لن تتنازل أو ترفع العقوبات عن النظام السوري ما لم يتم إحراز تقدّم نحو حلّ سياسي للصراع الذي أودى بحياة مئات الآلاف منذ اندلاع الانتفاضة ضد النظام”. وباستثناء واشنطن فإن الدول الأوروبية لم تعلق على استقبال دولة الإمارات للأسد وكذلك الدول العربية والخليجية تحديداً وفق ما يرجّح أنه حصر لمفاعيل هذا الاستقبال في انتظار ما سيؤدّي إليه في المرحلة المقبلة.

وتواجه إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن تحدّيات كبيرة من الكونغرس الأميركي رفضاً للتطبيع مع الأسد وإعادة تأهيله بحيث ليست مضطرة الى إثارة المزيد من الاستياء القائم أصلاً على خلفية ملفّات كثيرة في مقدّمها موضوع العودة الى العمل بالاتفاق النووي مع إيران ورفع العقوبات المحتمل عن النظام الإيراني. ويقول هؤلاء إن واشنطن يهمّها ألا يظهر فك عزلة الأسد وكأنه تقديم هديّة غير مباشرة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين فيما يواصل حربه على أوكرانيا وتستمرّ واشنطن في تصعيد العقوبات على روسيا لاجتياحها أوكرانيا. ولكن يلفت المراقبون أنفسهم أيضاً الى تبريرات لافتة أدرجت استقبال الإمارات للأسد من ضمن أهداف كبيرة تتصل بالمصلحة العربية بالاضافة الى عدم إعطائها حجماً إعلامياً وسياسياً كبيراً بما ظهر تحديداً، وتأطيراً إماراتياً لها مراعاة لردّ الفعل الأميركي والخليجي كذلك، إذ إن الانفتاح الإماراتي على الأسد لم تلتحق به منذ حصوله بإعادة فتح السفارة في دمشق دول خليجية عدّة على رغم وجود تواصل استخباراتي فبقيت الخطوة محدودة الى حدّ كبير، وهو ما قد يتكرّر في خطوة استقبال الأسد بحيث تبقى معزولة بعيداً من الالتحاق بها ولا سيما إن لم يقابل الأخير ما قُدّم له بأحسن

 

روزانا بومنصف – النهار