إنها أولاً انتخابات الرئاسة الأولى

يخشى سياسيون ان يكون رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي يضغط في موضوع الاجراءات في حق المصارف وفق ما حملته التطورات الاخيرة يسعى إلى ان يحمل جمعية المصارف المنقسمة على نفسها من اجل التخلي عن حاكم المصرف المركزي رياض سلامه لكي يمسك اوراقا يستطيع من خلالها إطاحة الاخير وتعيين بديل له محسوب عليه . فحين استهدفت القاضية غادة عون حاكم المصرف ولم تستطع مواصلة ذلك، كان لا بد من وسائل اخرى عبر المصارف المتضامنة مع سلامه ايا تكن الاثمان الباهظة او الانعكاسات السلبية لهذه الاجراءات لا سيما ان المصارف ساهمت كثيرا في اذلال الناس واهانتهم بما يعتقد انه يمكن ان تشكل محاسبتهم . اذ ان الاهداف السياسية لم تتوقف يوما عند المخاوف من المترتبات السلبية ايا تكن اقتصاديا او ماليا او مؤسساتيا .ويدرج هؤلاء في خانة الاهداف نفسها الاضراب في وزارة الخارجية على خلفية المطالبة بمناقلات طال انتظارها. وهذا حق من حيث المبدأ خصوصا في ظل السعي إلى مراكز خارجية توفر مدخولا بالعملة الصعبة. الا ان ما يشوبه هو ان انتظار بضعة اشهر اضافية حتى وصول عهد رئاسي جديد يقع من ضمن حق اي رئيس ان يكون لديه من يثق بهم في العواصم الرئيسية وليس ان تجري تشكيلات بمثابة مكافآت او لتأمين استمرارية العهد الحالي. وذلك في حين انه اذا كان الاضراب في وزارة الخارجية بهدف تعطيل انتخابات المغتربين التي يتوقع ان تكون في غير صالح تيار العهد، فينبغي ان يتحرك القضاء الناشط على خط المصارف راهنا من اجل منع تعطيل استحقاقات دستورية تقع تحت طائل القانون . ويخشى ان المؤشر المعبر عن هذا المنحى هو الاصرار على عرقلة اقرار خطة الكهرباء في ظل استمرار رفض انشاء الهيئة الناظمة وتأخيرها من وزير الطاقة الذي يمثل التيار العوني إلى السنة المقبلة ثم تحت ضغط مجلس الوزراء إلى السنة الحالية فيما كشف وزراء عن سعي حثيث لدى وزراء التيار في جلسة مجلس الوزراء الاخيرة لضمان الحصول على معمل في سلعاتا. وقد ابقيت قرارات مجلس الوزراء غموضا حول الموضوع للايحاء بعدم خسارة التيار العوني هذه المعركة حتى الان باصرارهم على القول انه تم الاتفاق على اقامة معمل في وسط لبنان الشمالي وهو امر نفاه وزراء أصروا على ان مجلس الوزراء خلص إلى اقامة معمل للكهرباء قرب خط الغاز في الشمال اذا اقتضت الحاجة وليس في وسط لبنان الشمالي اي سلعاتا بمعنى اخر.

وبمقدار ما تبدو هذه المحاولات على صلة بالانتخابات الرئاسية المقبلة، فان سياسيين يعطفون عليها الزيارة المرتقبة وغير المعهودة لرئيس الجمهورية في اخر عهده إلى الفاتيكان على خلفية يراها هؤلاء غير معزولة عن محاولة اقناع الكرسي الرسولي باهمية التحالف وتعزيز العلاقات مع ” حزب الله” كحماية للمسيحيين وفق المنطق الذي يعتمده عون وفريقه على هذا الصعيد، وذلك جنبا إلى جنب مع محاولة تمرير رسالة بضرورة الحصول على بركة الفاتيكان من اجل تمرير توريث صهره الرئاسة الاولى. وذلك حتى لو ان مواضيع اخرى قد تدرج على سبيل التغطية على هاتين النقطتين وما يتعلق مثلا باهمية ضغط الفاتيكان من اجل عودة النازحين السوريين لا سيما في ضوء المعطيات التي تحدثت عن تنظيم الكرسي الرسولي مؤتمرا في سوريا يتضمن هذا المحور من ضمن محاور اخرى . فالمدخل إلى ذلك بزيارة مباشرة إلى الكرسي الرسولي وطرح مواضيع تتعلق بالمسيحيين والمخاطر او التحديات التي يواجهونها من اجل محاولة اقناعه بانه المنقذ او من يسميه هو للرئاسة باعتبار انه سينفذ وصاياه المتصلة بالمنطق حول حماية المسيحيين. وفي هذا السياق فان توقيت الزيارة اهل للاستثمار في الانتخابات النيابية والرئاسية على حد سواء وفي تأكيد خيار العهد التحالفي مع ” حزب الله” بما يبرر لتياره ما لا قدرة على اللبنانيين وخصوصا على المسيحيين تحمله في ظل ابعاد للبنان عن محيطه العربي.

كانت انتخابات الرئاسة في الاحوال العادية في لبنان مثيرة لاضطرابات جمة تزيدها حدة المقاربة العونية قياسا بتجربتي العام 1989 وتجربة 2008 و2014 وتعطيل البلد وانهاك اقتصاده لمدة عامين ونصف العام حتى تأمين العماد عون انتخابه رئيسا ، وهو ما لا يفترض ان يغيب عن الاذهان عشية تطورات يختلط فيها الداخلي والخارجي . فمن جهة هناك طموحات ” حزب الله” والمحور الذي ينتمي اليه بوضع اليد كليا على لبنان ومقدراته وهو ما لا يخفيه تحت عناوين كبيرة بطرد الاميركيين وخوض معركة اطاحة خصومهم ودعم حلفائه لحماية سلاحه . وهناك من جهة اخرى المخاوف على خلفية الصراع الغربي مع روسيا المحتدم في الحرب الروسية على اوكرانيا وكذلك العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران. فالمعطيات التي تحدثت عن احتمال رفع الولايات المتحدة الحرس الثوري الايراني عن قائمة العقوبات الاميركية في مقابل تخفيض ايران التصعيد في المنطقة يخشى كثر ان تكون اثاره كارثية على لبنان لا سيما اذا صح اعتماد ذلك قبل الانتخابات النيابية . فهذا المعطى سيكون بمثابة هدية ثمينة للحزب وحلفائه بما يعزز رهاناتهم القائمة اصلا بان الحسابات والمصالح الاميركية على هذا الصعيد لن تهتم بالتضحية بلبنان والتسليم بسيطرة الحزب او ايران عليه . وهذا واقع لا تنجح الولايات المتحدة في دحض الانطباعات في شأنه كثيرا قياسا إلى التسليم بوصاية سوريا على لبنان لعقود لا سيما إذا ضمن الحزب او إيران تحديدا امن اسرائيل كما فعل النظام السوري لعقود ما ضمن استمراريته حتى في الثورة ضده وحتى الآن.

انها طبقات من التعقيدات والمصالح المتداخلة بحيث تلتبس الاهداف الحقيقية على اللبنانيين وسواهم أيضاً.

روزانا بومنصف – النهار