إنعكاس الحرباية في المرآة

«الثوري النوري الكلمنجي هلاب الدين الشفطنجي
قاعد بالصف الأكلنجي شكلاطة وكراميلا
يتمركس بعض الأيام يتمسلم بعض الأيام
ويصاحب كل الحكام وبست عشر ملّة
يا حلاولو لو شفته زمان مهموم بقضايا الإنسان
بيتكتك لا تقول بركان ولا بوتاغاز ولا حلّة»
أحمد فؤاد نجم

لا توجد رواية في التاريخ، أكان دينياً أم اجتماعياً، إلا وتتحدث عن رحلة في التيه والنضال والغربة والاستبعاد القسري لقائد ما أو زعيم أو نبي، قبل عودته ظافراً مكللاً بأكاليل الغار. ولطالما تحولت تلك الروايات إلى أساطير ملحمية تتغنى بها المجموعات، وتستنبط منها مشروعيتها كجماعة متحدة، تتغنى بماض مجيد، ونضال مرير، واضطهاد من قبل مجموعات أخرى، إلى أن يأتي المنقذ المخلص حاملاً البشرى للمعذبين المظلومين بالعزة والكرامة والنصر، وإن كان العبور إلى الأمان يحتاج إلى مضاعفة التضحيات! وهذا يختصر مسار الجنرال ميشال عون الدرامي، الكامن بين الأسطورة وتفاصيل الأمور التي يتجاهلها المؤمنون به لتفادي وضع زعامته في موقع التساؤل والشك.

 

سيناريو تقليدي، يكاد أن يكون مؤسساً لكل المجتمعات والشعوب. هي الكذبة النبيلة التي تحدث عنها أفلاطون، لكنها الكذبة الضرورية لبناء التماسك المجتمعي. إشكالية هذا النوع من التماسك أنه يحتاج إلى أعداء يتربصون: «بنا نحن كجماعة»، فكل «نحن» تحتاج حتماً إلى «هم»، أي الى آخرين تسند لهم كمجموعة كل الموبقات والشرور والخبث، وبالتأكيد ان هذه الرذائل موجهة للنّيل من «نحن». الواقع هو أن أخذ الأمور بالجملة، يهوّن على البشر الاستناد إلى البديهيات الاجتماعية العامة، بدل الذهاب إلى عناء التفكير من خلال أخذ كل حالة بحالها كخصوصية. فالحديث عن احتمال وجود أفراد ليسوا خبثاء أو شريرين عند «الهم»، سيدخل ما هو بديهي في دائرة التساؤل، ومن ثم الشك، وقد يذهب بعض المستنيرين إلى رفض أخذ «الهم» كجماعة، من خلال الحديث عن الأفراد لا الجماعة. هذا الأمر إن حدث سيدخل الأساطير المؤسّسة لتماسك الجماعة بمجملها إلى عالم التساؤل والشكوك المنطقية. هنا يدخل دور البطل القائد، مع المنظومة المتسلطة على الجماعة، لقمع كل تلك التساؤلات والاختراقات، مستخدماً كل وسائل الحجج الكلامية بالبداية، وصولا إلى القمع والترهيب على الأتباع، واختراع هجومات وتهديدات وهمية ومفتعلة تسوغ الانغلاق المجتمعي الدفاعي، وبالتوازي الهجومي على «الهم». كل ذلك بهدف الحفاظ على الكذبة النبيلة التي تحفظ تماسك المجتمع، وتعزز إيمان الجماعة بإلهام القائد وحسن تدبيره وفرادته بين البشر، وتسوّغ بالتالي حجم التضحيات الإضافية بعدد الضحايا الذين سيسقطون على طريق الدفاع عن «نحن».

من هنا، يمكن أن نحلل مغزى خطاب جبران باسيل المتجدد بما ظننا أنه قديم، فهو اليوم حليف البلطجي الذي استعمل الهجوم عليه لكسب أصوات الغافلين في انتخابات 2018، الذين سمعتهم يهمسون «مَن غير جبران يجرؤ على وصف نبيه بري بالبلطجي؟». في تلك الانتخابات، كان جبران يستخدم شعار «أوعا خيّك لتقاسم السلطة وقالب الجبنة»، وهو الذي أوصَل عمه، أو للاختصار أوصله هو إلى قدرة التحكم بالسلطة. لكنه اليوم بلع لسانه بخصوص البلطجي، ولا أعلم كيف تمكن الحاضرون أمامه من التصفيق له وهو يسوّغ بلع لسانه بأنه «تحالف انتخابي» مصلحي لتجارة الأصوات ومقاعد النواب. فالحاضرون، كما بدا، هم إما من المأخوذين بحكمة القائد، مهما شذ عن المنطق، أو من تجار الهيكل المشاركين معه في المغانم والمراكز والمصالح، التي سخرها لهم لكسب ولائهم، بالطبع كلها ملطوشة من كيس الدولة، أي من كيس الناس!

 

عدو «نحن» الجديد والعتيق اختصره جبران بلقب «الحرباية». بالنسبة له الحرباية الجديدة هم من نادوا بإسمه في الساحات مرفقاً بهتاف «هيلا هيلا هو»، مع الاعتذار ممن طالتها الشتيمة ظلماً، لكن جدّي كان يقول «لا تلعن من يشتم الناس، بل إلعن من يسبب لذاته الشتيمة». يعني أن جبران ينعت من أجمع على وصفه «المكروه الأول» في جمهورية جهنم بأنهم «حرباية»، على الرغم من أن لونهم كلهم كان واضحاً وثابتاً بوصفه هو بما حقيقي فيه.

أما عدو «نحن» القديم المتجدد فهو القوات اللبنانية. فبعد أن أفلس جبران في اختراع الأعداء، فتح دفاتر عمّه العتيقة، وتحول «أخوه» في اتفاق معراب إلى عدو من جديد. كما تحول «حزب الله» في السابق من عميل لسوريا وإيران في غربة الجنرال، إلى حليف مقاوم مدافع عن مسيحيي الشرق، لكن في وجه مسيحيين مشرقيين آخرين هم القوات اللبنانية، أو أي مسيحي آخر يريد التشكيك بإلهام الجنرال وولي عهده. بالطبع، لن تنطلي على أحد أحبولة أن جبران شريك في المواجهة الافتراضية مع إسرائيل، فلا تاريخه ولا تاريخ عمه يوحيان إلا بعكس ذلك. همّ جبران فقط هو إزاحة مسيحيين مشرقيين آخرين، مهما كان إسمهم أو عنوانهم، من مسيرته نحو السلطة.

 

الطرف الذي سلم اليوم من حملته هو «تيار المستقبل» الذي خرج من الساحة بغياب رئيسه واستنكاف جمهوره عن المشاركة، فخلت الساحة له ولـ»حزب الله» ليقضما من ساحة المستقبل ما تيسر من بقايا نواب، سيتحولون حتماً إلى داعمين مؤكدين له في مساره الرئاسي التدميري، على أنقاض ما تبقى من كيان تعددي. لذلك، فقد توقف جبران بالكامل عن الحديث عن استعادة الحقوق من السنّة، وهو ما كان أحد أهم شعاراته المتلونة بألف لون، حتى لا يستثير حمية الناس، فيندفع المستنكفون اليائسون من حال السنة، للمواجهة في صناديق الاقتراع.

في اللغة العربية تعبير «البهتان»، وهو يعني بشكل أساسي «الافتراء»، أي اتهام الآخرين زوراً، لكن التوصيف الدقيق هو اتهام آخرين بجريمة أو موبقة ارتكبها المفتري ذاته. بعد استعراض ما سبق، فالحرباء حيوان زاحف يقتات على الحشرات بشكل أساسي من خلال «لسان مطاطي» يرسله كالسهم للقبض على الفرائس. ميزة الحرباء الأهم والأكثر شهرة هي قدرتها، في عملية كيميائية وفيزيولوجية، على تغيير لون جلدها بسرعة كبيرة، بناءً على الحاجات الملحة للبقاء. فلو نظرنا بموضوعية ومن دون أفكار مسبقة مبنية على البديهي الشائع، فمن يصح عليه لقب الحرباية من دون منازع؟ أظن أنّ جبران، إن وقف أمام المرآة، سيرى، وهو النبيه، انعكاس صورته «حرباية».

 

 

د.مصطفى علوش – الجمهورية