أيّ انتخابات في لحظة التحوّلات الكبرى؟

الناظر في الوضع اللبناني يحتار من أين يبدأ. هل من الداخل الذي لا تزال تعصف به الأزمة الاقتصادية وبوتيرة أشدّ على وقع النزاع بين القضاء من جهة، والمصرف المركزي والمصارف من جهة ثانية، فيما دخل البلد في حقبة الانتخابات النيابية التي لم يتبدّد الشكّ في حتميّة إجرائها في موعدها؟ أم من الخارج الذي لا يزال يعيش تحت وطأة الغزو الروسي لأوكرانيا، ما خلط أوراق العلاقات الدولية والإقليمية على وقع التحدّي الاقتصادي العالمي الذي فرضه ارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما أعاد تأكيد الأهميّة الاستراتيجيّة للمنطقة الغنيّة بالنفط؟

الحراك الجيوسياسي الكبير والعميق على مستوى المنطقة لم يبدأ بالطبع مع الحرب الأوكرانية، لكنّ هذه الحرب دفعت به خطوات إلى الأمام، ولا سيّما أنّها تزامنت مع تقدّم غير مسبوق في المفاوضات الإيرانية – الأميركية بشأن إعادة إحياء الاتفاق النووي الذي يُعدّ قنبلة جيوسياسية في المنطقة. خصوصاً في ظلّ ريبة الدول العربية الخليجية وإسرائيل ومصر والأردن من مضمونه، وتحديداً لناحية عدم ضبطه أجندة إيران التوسّعية وبرنامجها الصاروخي.

يطرح كلّ ذلك أسئلة كبرى عن مستقبل العلاقات والتحالفات بين دول المنطقة، وعن علاقة هذه الدول، ولا سيّما دول الخليج، مع القوى الدولية الكبرى، وتحديداً الولايات المتحدة وروسيا والصين، وذلك في وقت أعاد موقف الدول الخليجية ومصر من الحرب الأوكرانية إنتاج ما يمكن تسميته “حركة عدم انحياز عربية” إزاء الصراع المتفاقم بين الغرب من جهة، وموسكو والصين من جهة ثانية.

على الرغم من دلالاتها المهمّة فإنّ زيارة بشّار الأسد للإمارات العربية المتحدة، وهي الزيارة الأولى له لبلد عربي منذ اندلاع الانتفاضة ضدّ حكمه في آذار 2011، ليست المؤشّر الوحيد على تبدّل الأولويّات والأجندات الجيوسياسية في المنطقة. فقد أشارت صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى فشل البيت الأبيض في التواصل مع وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ومع وليّ عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد على وقع أزمة النفط العالمية، وهذا أمرٌ إذا صحّ يُعدّ تطوّراً غير مسبوق في وتيرة العلاقات الخليجية – الأميركية. ويُعدّ أيضاً انعقاد اللقاء الثلاثي الإسرائيلي – المصري – الإماراتي في شرم الشيخ حدثاً إقليمياً بالغ الأهميّة من حيث توقيته، إذ يندرج حتماً في سياق استعداد دول المنطقة الرئيسية لِما بعد الاتفاق الأميركي – الإيراني.

كما يأتي توقيت قصف الحوثيين منشآت نفطية سعودية بإيعاز من إيران للتأثير والضغط على العلاقات الأميركية – السعودية في لحظة تطالب خلالها واشنطن المملكة الخليجية بضخّ مزيد من النفط في السوق فيما تتمسّك الرياض باتفاق “أوبك بلاس” مع موسكو الذي حدّد حصص ضخّ النفط في السوق. ويطرح هذا القصف السؤال القديم الجديد عن مدى استعداد واشنطن للدفاع عن حلفائها التقليديين وعن أمن الطاقة في المنطقة.

أين لبنان؟

ستكون لكلّ هذه التطوّرات المتسارعة ارتدادات على الوضع اللبناني الذي سيتأثّر بشكل مباشر بالاتفاق الأميركي – الإيراني، ولا سيّما أنّ نفوذ إيران في لبنان، بواسطة حزب الله، هو الأكثر استقراراً وثباتاً بالقياس إلى نفوذها في سائر دول المنطقة.

المفارقة أنّ الحزب الذي يصوّر معركته الانتخابية في لبنان بأنّها في وجه أميركا وأدواتها في لبنان، سيكون هو نفسه أوّل المستفيدين من الاتفاق الإيراني – الأميركي الذي سيُدخل المنطقة في عصر سياسي وأمني جديد.
حتّى الآن لم تصدر إشارات أميركية جدّيّة إلى نوايا واشنطن تقليص النفوذ الإيراني في المنطقة. لكن في الوقت نفسه لا يمكن القول إنّ هناك اعترافاً أميركياً نهائيّاً بحجم النفوذ الإيراني في الدول العربية. فأولويّة واشنطن راهناً هي توقيع الاتفاق مع إيران، ولذلك قلّصت ضغوطها على حركة إيران الإقليمية بغية ضمان حصولها على هذا الاتفاق. لكن في نهاية الأمر ستكون المنطقة محكومة في مرحلة ما بعد هذا الاتفاق بديناميكية العلاقات الإيرانية – الأميركية التي ستتحرّك بين حدّين: لا ضغوط أميركية قصوى على أجندة إيران التوسّعيّة ولا اعتراف أميركياً نهائياً بهذه الأجندة.

والحال هذه، سيكون لبنان ساحة اختبار أساسية لوتيرة العلاقات الإيرانية – الأميركية في المرحلة القادمة، وإن لم تظهر حتّى الآن مؤشّرات واضحة ومباشرة إلى ذلك. لكنّ زيارة الرئيس ميشال عون المفاجئة للفاتيكان تحمل في طيّاتها بعضاً من تأثيرات المناخ الدولي والإقليمي الجديد في المنطقة، أو هي مؤشّر أوّليّ إلى انعكاس هذه المتغيّرات على لبنان.

موقف الفاتيكان

لعلّ توقيت استقبال الفاتيكان لعون حليف حزب الله، قبل نحو 50 يوماً من موعد الانتخابات النيابية، هو مؤشّر إلى التوجّهات الفاتيكانية الجديدة حيال لبنان، التي كان غالاغير قد ألمح إليها خلال زيارته بيروت. في هذا الإطار، يُطرح السؤال التالي: هل تستبق هذه التوجّهات مرحلة “التطبيع” الإيراني – الأميركي في المنطقة؟

لكن في المقابل أعاد كلام البطريرك الماروني بشارة الراعي من مصر، التي زارها بالتزامن مع زيارة عون لروما، تأكيد انقسام المسيحيين في لبنان حول الخيارات الاستراتيجية في المنطقة. فبينما أكّد الراعي من القاهرة أنّ “انعزال لبنان عن محيطَيْه الدولي والإقليمي لا يرضي أحداً”، مشيراً بذلك إلى مسؤولية الحزب وحلفائه، وفي مقدَّمهم التيار الوطني الحر، عن التسبّب بعزلة لبنان العربية والدولية، كان الرئيس عون يدافع عن الحزب في روما، معتبراً أن ليس له أيّ تأثير على الواقع الأمني للّبنانيين.
لكن لا شيء يدلّ حتّى الآن على أنّ المعركة الانتخابية في الأوساط المسيحية ستجري على أساس هذا الانقسام حول الخيارات الاستراتيجية للمسيحيين كما حصل في العام 2009، وإلّا لكان حصل تقارب سياسي – انتخابي، ولو بالحدّ الأدنى، بين الأطراف المسيحية المناوئة لتحالف عون – حزب الله.

بيد أنّ السؤال الأهمّ في السياق اللبناني يبقى: ماذا سيفعل الحزب في لحظة التحوّل الكبير الذي يمثلّه إبرام الاتفاق الأميركي – الإيراني؟ هل يذهب إلى الانتخابات النيابية لإثبات شرعيّته اللبنانية، وهو ما سيمكّنه من الإمساك بورقة قويّة بوجه الداخل والخارج؟ أم يتجنّب الاعتراف مرّة جديدة، عبر خوضه الانتخابات، بالنظام السياسي القائم، فيسعى إلى ما هو “أكبر” من الانتخابات، أي إلى مؤتمر “تأسيسيّ” يعيد صياغة موازين القوى الطائفية – السياسية داخل النظام اللبناني؟

 

 

إيلي القصيفي – أساس ميديا